يُعد الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم من مباحث علوم القرآن التي تساعد على فهم الأحكام الشرعية ومعرفة ما ثبت حكمه وما رُفع بدليل شرعي متأخر. وقد اهتم العلماء بهذا العلم لما له من أثر في التفسير والفقه وفهم النصوص على وجهها الصحيح.
فما معنى الناسخ والمنسوخ؟ وما الفرق بينهما؟ وما أشهر الأمثلة على النسخ في القرآن الكريم؟ وكيف يعرف العلماء أن حكمًا ما قد نُسخ؟ نتعرف في هذا الدليل على مفهوم النسخ وأمثلته والحكمة منه، مع توضيح عدد من المسائل المهمة المرتبطة به.
ما معنى الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم؟
يمكن تعريف الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لغةً واصطلاحًا كما يلي:
النسخ في اللغة يرد بمعنيين:
أحدهما: “التحويل والنقل”، فنسخ الكتاب أي تحويله من كتاب إلى كتاب آخر.
والثاني: “الرفع”، فيُقال نسخت الشمس الظل أي ذهبت به وأبطلته.
أما النسخ اصطلاحًا، فهو رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه. ويُسمى الدليل المتأخر «الناسخ»، بينما يُطلق «المنسوخ» على الحكم الذي رُفع.
ويُبحث النسخ في الأحكام الشرعية العملية، ولا يدخل في حقائق العقيدة وأصول الإيمان والأخبار التي لا تحتمل التغيير؛ ولذلك فإن معرفة الناسخ والمنسوخ من المسائل التي تحتاج إلى علم ودليل، ولا يصح إثبات النسخ بمجرد وجود اختلاف ظاهري بين نصين.
ما الفرق بين الناسخ والمنسوخ؟
الفرق بين الناسخ والمنسوخ باختصار أن الناسخ هو الدليل الشرعي المتأخر الذي رُفع به حكم سابق، أما المنسوخ فهو الحكم الشرعي السابق الذي رُفع حكمه.
ولا يعني النسخ وجود تناقض بين آيات القرآن الكريم، بل يرتبط بتدرج التشريع والحكمة التي أرادها الله تعالى لعباده، فقد يُشرع حكم في وقت معين ثم يأتي دليل متأخر يرفع هذا الحكم لحكمة شرعية.
ومن هنا تظهر أهمية معرفة ترتيب الأدلة وزمن نزولها؛ إذ لا يمكن الحكم على أحد النصوص بأنه ناسخ والآخر بأنه منسوخ من غير دليل معتبر.
وسوف نتعرف في الفقرة القادمة، على بعض الأمثلة على الناسخ والمنسوخ في القرآن.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
أمثلة على الناسخ والمنسوخ في القرآن
كما ذكرنا في الفقرة السابقة، الفرق بين الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم. فببساطة، الناسخ هو الحكم الأخير، والمنسوخ هو الحكم الأول.
ومن الأمثلة على الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، ما يلي:
مثال 1 على النسخ:
قوله تعالى، في سورة الأنفال: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)”. صدق الله العظيم. فهنا تأتي علوم القرآن لتفسير الناسخ والمنسوخ، فالحكم هنا أن كل فرد يغلب 10 من الكفار، وقد خفف الله تعالى هذا الحكم، لكي يغلب كل فرد، فردين فقط من الكفار؛ وجاء ذلك -النسخ- من الله تعالى للتخفيف على المسلمين لأن الله تعالى قد علم أن فيهم ضعفًا.
مثال 2 على النسخ:
المسلمون كانوا يستقبلون بيت المقدس في الصلاة، حتى هاجر النبي ﷺ، ثم أنزل الله تعالى قوله، في سورة البقرة- الآية 144: “قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ”. صدق الله العظيم.
فالمنسوخ هنا، هو الحكم السابق، وهو الصلاة في القبلة نحو بيت المقدس، والناسخ هو الذي ألغى الحكم بها، هو الآية القرآنية، والتي أمرت المسلمين باستقبال الكعبة في القبلة.
ما الحكمة من الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم؟
تظهر في النسخ حِكَم تشريعية متعددة، منها التيسير على الأمة، ومراعاة أحوال المكلفين، والتدرج في بعض التشريعات، وابتلاء المؤمنين بامتثال أوامر الله تعالى، إلى جانب تحقيق مصالح العباد وفق ما تقتضيه حكمة التشريع.
ولذلك لا يُنظر إلى النسخ باعتباره تغييرًا ناتجًا عن ظهور أمر لم يكن معلومًا، فالله سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون، وإنما يكون الحكم الأول محددًا بعلم الله إلى وقت معين، ثم يأتي الحكم الذي أراد الله العمل به بعد ذلك.
وهنا، تجدر الإشارة بالذكر إلى قول بعض ممن يعتقدون أن النسخ محال في القرآن، ونرد عليهم في الفقرة القادمة!
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
الرد على الشبهات
أفضل ما نرد به على الاختلافات، أن الله تعالى، “قد أخر الحكم لوقت معين ثم أمر به لحكمة لا يعلمها إلا هو عز وجل”.
ففي المثال السابق، عندما أمر الله تعالى، المسلمين بتغيير القبلة، فالواضح جليًا أن الله تعالى، أراد أن يُطهر الكعبة من كل الأصنام والأوثان، ثم جاء وقت أمر الله تعالى، بتغيير القبلة آنذاك، وإلغاء الحكم الأول بجعل بيت المقدس القبلة الأولى، بالحكم الجديد وهو جعل البيت الحرام هو القبلة. كذلك ليُثبت الله تعالى، أن بيت المقدس من مقدسات الإسلام، وأنه لا يُمكن لأحد أن يدعي أن الكعبة للمسلمين وبيت المقدس لغير المسلمين. وكذلك جاء الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليثبت للبشرية أجمعين أن بيت المقدس من مقدسات دين الحق الجديد الذي نسخ كل ما قبله.
فإن كل نسخ كان لوقت محدد ولحكمة بالغة من الله تعالى.
وهنا نذكر قول الله تعالى، في سورة البقرة- الآية 106: “مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”. صدق الله العظيم. ففي قراءة من القراءات تُقرأ “ننسأها”، بمعنى نؤخرها.
فكل الآيات عند الله ولكنها أوخرت لحكمة منه إلى وقت معلوم.
وكما في ذلك، نستعرض الأمثلة، حيث نسخ الإنجيل، كتاب التوراة الذي سبقه، ثم جاء القرآن الكريم، فنسخ التوراة والإنجيل، وهو مهيمن على كل الكتب السماوية، وآخرها، وآخر ما يؤخذ به، ونستعرض لكم الأدلة على ذلك من القرآن الكريم:
- من خطاب نبي الله، عيسى بن مريم، عليهما السلام، لبني إسرائيل، في سورة آل عمران- الآية 50: “وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ”. فهنا نسخ الإنجيل التوراة. واليهود رفضوا عيسى عليه السلام، وأنكروا النسخ.
- قال الله تعالى، في سورة المائدة- الآية 48: “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ”. صدق الله العظيم. فالكتاب هنا هو القرآن الكريم، والذي نزل ناسخًا لما قبله من الكتب السابقة. فـ “مهيمنًا” تعني “ناسخًا”. فنسخ القرآن الكريم كل ما قبله من التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى وكل ما وردنا ولم يردنا.
- والشريعة الإسلامية، غير قابلة للنسخ، فلا يأتي دين بعدها وينسخها كليًا أو جزئيًا، فقال الله تعالى، في سورة الأحزاب- الآية 40: “مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا”. صدق الله العظيم. فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، هو خاتم النبيين والمرسلين.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
كيف أعرف الناسخ والمنسوخ؟
معرفة الناسخ والمنسوخ ليست مبنية على الاجتهاد الشخصي أو مجرد ملاحظة اختلاف ظاهري بين آيتين، وإنما ترجع إلى الأدلة المعتبرة وما قرره العلماء في كتب التفسير وعلوم القرآن.
ومن أهم ما يُستدل به على النسخ: وجود نص صحيح يدل على أن أحد الحكمين جاء بعد الآخر، أو معرفة المتقدم والمتأخر من الأدلة مع تعذر الجمع بينهما على الوجه المعتبر.
ولهذا ينبغي الحذر من التوسع في القول بالنسخ؛ فقد يكون ما يبدو تعارضًا بين آيتين قابلًا للجمع والتوفيق، أو تكون إحدى الآيتين مخصصة لعموم الأخرى أو مقيدة لها، وليس ذلك نسخًا بالضرورة.
ومن أراد التوسع في هذا الباب فعليه الرجوع إلى كتب علوم القرآن والتفسير وأقوال أهل العلم المتخصصين؛ لأن إثبات النسخ يحتاج إلى دليل ومعرفة دقيقة بالنصوص وسياقاتها.
أسئلة شائعة عن الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم
ما المقصود بالناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم؟
النسخ هو رفع حكم شرعي بدليل شرعي متأخر، ويُسمى الدليل المتأخر ناسخًا، بينما يُطلق المنسوخ على الحكم السابق الذي رُفع.
ما الفرق بين الناسخ والمنسوخ؟
الناسخ هو الدليل الشرعي المتأخر الذي يرفع حكمًا سابقًا، أما المنسوخ فهو الحكم السابق الذي انتهى العمل به بعد ورود الناسخ.
هل الناسخ والمنسوخ يعني وجود تناقض في القرآن؟
لا، فالنسخ لا يعني التناقض. التناقض يقتضي تعارض حكمين في الوقت نفسه، بينما النسخ يعني أن حكمًا شُرع في وقت ثم رُفع بدليل متأخر وفق حكمة التشريع.
ما أشهر مثال على الناسخ والمنسوخ في القرآن؟
من الأمثلة المشهورة ما ورد في سورة الأنفال في الآيتين 65 و66، حيث جاء التخفيف في الحكم، وقد ذكر أهل العلم هذا المثال في باب النسخ.
هل كل اختلاف بين آيتين يعتبر نسخًا؟
لا. قد يكون الاختلاف الظاهري قابلًا للجمع، أو يكون أحد النصين مخصصًا للآخر أو مقيدًا له. لذلك لا يصح الحكم بوجود النسخ إلا بدليل معتبر.
كيف نعرف الآية الناسخة من المنسوخة؟
يُعرف ذلك من خلال الأدلة التي تبين المتقدم والمتأخر، وما ثبت عن أهل العلم في التفسير وعلوم القرآن، ولا يُعتمد في إثبات النسخ على الرأي الشخصي وحده.
لماذا وقع النسخ في بعض الأحكام؟
للنسخ حِكَم متعددة، منها التيسير والتدرج في التشريع ومراعاة أحوال المكلفين وابتلاؤهم بالامتثال لأوامر الله تعالى، وفق ما تقتضيه الحكمة الإلهية.
بذلك، نكون قد وصلنا إلى ختام مقالنا، والذي استعرضنا خلاله: دليل شامل حول الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، والحكمة من الناسخ والمنسوخ.
تبحث عن أكاديمية متخصصة في دراسة علوم القرآن عن بعد؟!
تواصل معنا الآن!
نوفر لك معلمين مجازين بأعلى الأسانيد، لتعليم القرآن الكريم وعلومه.
أكاديمية شفيع، هي أكاديمية متخصصة في تحفيظ القرآن الكريم وعلوم القرآن الكريم عن بعد..
توفر الأكاديمية، حلقات تحفيظ القرآن الكريم، عن بعد، (للرجال- والأطفال- والنساء)، بشكل تفاعلي وفي أوقات مرنة تناسب جدولك!
نقدم لك الخدمات التالية بكفاءة واحترافية، من خلال معلمين مجازين:
- تعليم اللغة العربية بسهولة من المستوى صفر حتى الإتقان.
- منح إجازات في القرآن الكريم من خلال معلمين مجازين بأعلى الأسانيد.
احجز حلقة تجريبية مجانًا الآن!



