المقدمة
ليست كل رحلة مع القرآن تبدأ بخطة واضحة أو طريق مرسوم، فبعض الرحلات تبدأ بموقف بسيط يوقظ القلب، ثم تتحول مع الأيام إلى مشروع علمي ورسالة حياة. وهذا ما تكشفه قصة الشيخ يسري محمد عوض عبد الواحد، المتخصص في علوم القرآن والقراءات، الذي انتقل من مجرد الرغبة في حفظ كتاب الله إلى التعمق في القراءات العشر الصغرى والكبرى، ومجالسة كبار أهل هذا الفن، وتعليم الطلاب والتحذير من التهاون في تلقي القرآن.
وتبرز هذه الرحلة قيمة مهمة لكل طالب علم: أن الإتقان لا يصنعه مجرد الحصول على الإجازة، وإنما يصنعه طول التلقي، وكثرة المراجعة، والصبر على التحريرات والطرق، والحرص على الأخذ عن أهل الضبط والإتقان. ويؤكد الشيخ في الحوار أن علم القراءات أمانة، وأن الطالب ينبغي أن يبحث عن العلم قبل أن يبحث عن اسم الإجازة أو شكل السند.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
البداية مع القرآن: موقف غيّر الطريق
بدأت علاقة الشيخ يسري محمد عوض عبد الواحد بالقرآن من موقف إنساني مؤثر. فقد كان يصطحب أخًا كفيفًا إلى مسجد المواساة، وكان يجلس بجواره ليستمع إلى تفسير القرآن، وفي إحدى المرات طلب منه هذا الأخ أن يسمّعه القرآن، بينما لم يكن الشيخ قد حفظ القرآن بعد.
هنا بدأ السؤال الداخلي: كيف أنعم الله عليه بالبصر، بينما هذا الأخ فقده، ومع ذلك كان حافظًا لكتاب الله؟
كان هذا الموقف سببًا في التفكير الجاد في حفظ القرآن، ثم واظب الشيخ على حضور مجالس الشيخ ياسين رجب رحمه الله، وبعدها التحق بأحد المشايخ وحفظ القرآن الكريم على يديه. ولم تتوقف الرحلة عند الحفظ؛ فقد لاحظ وجود أطفال يقرؤون روايات مختلفة من القرآن، فزاد ذلك من رغبته في التعلم والتخصص.
وهكذا انتقلت الرحلة من حفظ القرآن إلى دراسة علومه، ثم إلى عالم القراءات الذي يحتاج إلى صبر طويل ودقة في الأداء.
من معهد القراءات إلى الشاطبية والدرة
بعد حفظ القرآن، التحق الشيخ بمعهد القراءات في الإسكندرية، وبدأ بدراسة التجويد، ثم انتقل إلى المرحلة العالية التي تدرس فيها منظومتا الشاطبية والدرة، وهما من المتون الأساسية في القراءات العشر الصغرى.
لكن الدراسة النظامية لم تكن نهاية الطريق؛ إذ اتجه الشيخ إلى التلقي خارج المعهد، فتعلم على الشيخ عبد الحميد عنتر رحمه الله، الذي كان له أثر كبير في تأسيسه في القراءات وتعليمه كيفية جمع القراءات.
ويظهر من حديث الشيخ أن الجمع لم يكن بالنسبة إليه مجرد قراءة متتابعة، بل كان تدريبًا دقيقًا على معرفة طرق القراء وأوجه الأداء وترتيبها.
وكان الشيخ عبد الحميد عنتر شديد العناية بالإتقان وحفظ المتون، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في شخصية الشيخ يسري العلمية. وبعد فترة من الصبر والممارسة، أتم الشيخ قراءة القرآن على شيخه بجميع الأوجه في العشر الصغرى.
الانتقال إلى القراءات العشر الكبرى
بعد تأسيسه في العشر الصغرى، انتقل الشيخ إلى مرحلة جديدة مع الشيخ عبد الرزاق علي موسى رحمه الله، الذي طلب منه أن يعود بعد عام إذا كان قادرًا على الجمع، فالتزم الشيخ بذلك، ثم بدأ رحلته في القراءات العشر الكبرى.
وكانت رحلة التعلم تتطلب السفر من الإسكندرية إلى قويسنا، وتحمل مشقة الطريق من أجل الجلوس مع الشيخ والاستفادة من علمه.
ويذكر الشيخ أن عبد الرزاق علي موسى لم يبخل عليه بالكتب والمخطوطات، ومن ذلك مخطوطات مرتبطة بطريق الدرة والبرهان الأزْميري، كما كان يعطيه مما لديه من الكتب ليستفيد منها في دراسته.
واستمرت الملازمة نحو ثلاث سنوات وأشهر، حتى ختم الشيخ القراءات العشر الكبرى من أول القرآن إلى آخره بجميع الأوجه. وهذه المرحلة تكشف جانبًا أساسيًا من رحلته: أن الإتقان لم يكن نتيجة دورة قصيرة أو دراسة سريعة، وإنما نتيجة سنوات من التلقي والمراجعة والصبر.
لماذا يؤكد الشيخ على التلقي والمشافهة؟
من أبرز الرسائل التي تتكرر في حديث الشيخ يسري أن علم القراءات لا يكفي فيه الاعتماد على الكتب. فالقراءة الصحيحة تحتاج إلى التلقي والمشافهة، لأن تفاصيل الأداء لا يمكن دائمًا إدراكها من خلال النص المكتوب وحده.
ويشير الشيخ إلى أمثلة متعددة تتعلق بالتسهيل والإمالة والتقليل والتحريرات، ويؤكد أن الطالب قد يظن أنه أتقن الرواية من خلال قراءة الكتب، ثم يظهر عند التطبيق أنه لا يعرف كيفية أداء وجه من الأوجه.
كما يولي الشيخ أهمية كبيرة للتحريرات، لأنها تضبط الطرق والأوجه التي يجوز الجمع بينها، وتمنع الطالب من تركيب أوجه لا يصح جمعها.
ومن هنا يمكن تلخيص منهج الشيخ في ثلاث كلمات:
تلقي، وضبط، وإتقان.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
الإجازة ليست نهاية الطريق
يرى الشيخ يسري أن الإجازة القرآنية شرف ومسؤولية، لكنها ليست وحدها مقياسًا كافيًا للحكم على مستوى طالب العلم.
فهو يذكر بوضوح أنه لم يكن يذهب إلى المشايخ بحثًا عن الإجازة، وإنما كان يبحث عن العلم والإتقان، وكانت الإجازة نتيجة طبيعية لمسيرة علمية طويلة.
وهذه الفكرة من أهم الدروس التي يمكن أن يستفيد منها طلاب القراءات اليوم؛ فالمطلوب ليس أن يقول الطالب: حصلت على إجازة في العشر الصغرى أو الكبرى، بل أن يكون قادرًا على أداء ما تعلمه أداءً صحيحًا، ومعرفة أصول الروايات وفرشها وطرقها وتحريراتها.
ويحذر الشيخ من حصول بعض الطلاب على إجازات دون إتقان كافٍ، ويرى أن مسؤولية المجيز كبيرة؛ لأن الإجازة تتعلق بكلام الله تعالى، وليست مجرد شهادة شكلية.
أثر كبار المشايخ في تكوين شخصية الشيخ
تعلم الشيخ يسري على عدد من أعلام القراءات، ومن أبرز من ذكرهم الشيخ عبد الحميد عنتر، والشيخ عبد الرزاق علي موسى، والشيخ إبراهيم السمنودي رحمهم الله، إضافة إلى الاستفادة من عدد من العلماء في مسائل متخصصة.
ويصف الشيخ أثر هؤلاء العلماء بأنه لم يكن علميًا فقط، بل تربويًا أيضًا. فقد تعلم منهم حب العلم، والصبر، والدقة، والتواضع، وعدم الاستعجال.
ومن المواقف التي أثرت فيه أن بعض شيوخه كانوا شديدي العناية بالطالب، ويصححون له كل صغيرة وكبيرة، وهو ما جعله يدرك أن الجلوس مع العالم المتقن يربي الطالب على الإتقان، بينما التساهل في التعلم قد يؤدي إلى انتقال التساهل نفسه إلى الأجيال التالية.
سورة البقرة ورحلة التعامل مع القراءات
يذكر الشيخ أن سورة البقرة كانت من أكثر السور التي تركت أثرًا في وجدانه، لما تجمعه من أحكام وقصص وتوحيد وعبر.
وفي الوقت نفسه كانت السورة من أصعب المراحل عليه في بداية دراسة العشر الكبرى، بسبب كثرة الأحكام والطرق والتحريرات.
وكان الشيخ يلجأ إلى أهل الاختصاص في المسائل التي تحتاج إلى مزيد من التحقق، ويذكر في الحوار استفادته من عدد من العلماء في بعض مسائل التحريرات والأداء.
وهذا يعكس قيمة علمية مهمة: طالب العلم لا ينبغي أن يستحي من السؤال، بل عليه أن يتثبت عندما تعرض له مسألة دقيقة.
القراءات بين العلم والأمانة
يرى الشيخ أن علم القرآن والقراءات أمانة، وأن طالب العلم والمعلم يجب أن يتعامل معه بإخلاص.
وينتقد تحويل هذا العلم إلى مجرد تجارة أو وسيلة للحصول على الشهرة، ويؤكد أن الأصل أن يكون المقصود هو التقرب إلى الله وخدمة كتابه.
ولا يعني ذلك، في سياق كلامه، أن المعلم لا يأخذ أجرًا بالمعروف، وإنما يؤكد أن النية يجب أن تكون صادقة، وأن لا يتحول العلم إلى مجرد وسيلة مادية.
ومن أبرز رسائله كذلك ضرورة المحافظة على ورد القرآن، حتى لطالب القراءات؛ فالإتقان لا يتحقق بدراسة المتون والطرق وحدها، بل يحتاج إلى دوام الصلة بالقرآن والمراجعة المستمرة.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
رحلة التعليم في دار الدكتور أحمد عيسى المعصراوي
عمل الشيخ يسري محمد عوض عبد الواحد معلمًا ومحفظًا في دار الدكتور أحمد عيسى المعصراوي، وذكر أنه درّس في معاهد القراءات نحو اثنتي عشرة سنة، كما قام بتعليم التجويد والعشر الصغرى، وشرح أصول القراءات وكيفية الجمع، إضافة إلى شرح طيبة النشر.
وقد كشفت هذه التجربة له أن تعليم القراءات يحتاج إلى وقت وصبر من المعلم والطالب معًا، خصوصًا في الجمع بين القراءات، الذي قد يستغرق وقتًا طويلًا حتى يتقن الطالب أوجهه وطرقه.
الجانب الأكاديمي: وجوه القرآن ونظائره
لم تقتصر رحلة الشيخ على التلقي والإقراء، بل امتدت إلى البحث الأكاديمي، حيث تناول في رسالة الماجستير موضوع وجوه القرآن ونظائره ودلالتهما على المعنى القرآني.
وأوضح أن النظائر تتعلق بتكرار الكلمة في القرآن، بينما قد تختلف وجوه دلالتها بحسب السياق. وضرب أمثلة بكلمات مثل الهدى، مبينًا أن الكلمة نفسها قد تحمل دلالات مختلفة بحسب موضعها وسياقها.
وتظهر أهمية هذا المجال في أنه يربط بين علوم القرآن والقراءات والتفسير والدلالة، ويجعل دراسة القراءات وسيلة لفهم أعمق للمعاني القرآنية.
القراءات في عصر التكنولوجيا
يرى الشيخ أن التكنولوجيا والإنترنت جعلا الوصول إلى العلم أسهل بكثير مما كان عليه في الماضي. فقد كان طالب العلم قديمًا يسافر مسافات طويلة بحثًا عن شيخ متقن، بينما أصبح التواصل اليوم أكثر سهولة.
لكن سهولة الوصول لا تعني بالضرورة سهولة الإتقان.
ولذلك ينصح الشيخ طلاب القراءات بأن يتحروا جيدًا عمن يأخذون عنه العلم، وألا يكتفوا بوجود اسم الإجازة أو الإعلان عنها، بل ينظروا إلى مستوى الشيخ في الأداء والتحرير والإتقان.
وتبقى التكنولوجيا وسيلة مساعدة، بينما يظل أصل هذا العلم قائمًا على التلقي والمشافهة والتصحيح المباشر.
أهم الدروس من رحلة الشيخ يسري محمد عوض عبد الواحد
يمكن استخلاص مجموعة من الدروس المهمة من هذه الرحلة:
- البداية الصادقة قد تأتي من موقف بسيط، لكن الاستمرار هو الذي يصنع العالم.
- حفظ القرآن هو بداية الطريق وليس نهايته.
- علم القراءات يحتاج إلى صبر طويل ومراجعة مستمرة.
- التلقي عن أهل الإتقان أساس في تعلم القراءات.
- الإجازة ليست بديلًا عن الإتقان.
- التحريرات والطرق تحتاج إلى دراسة دقيقة وعدم استعجال.
- طالب العلم ينبغي أن يسأل ويتثبت ولا يخجل من عدم معرفة مسألة دقيقة.
- الإخلاص أساس مهم في تعليم القرآن والقراءات.
- المحافظة على ورد القرآن ضرورية حتى لمن تخصص في القراءات.
- التكنولوجيا تسهل الوصول إلى العلم، لكنها لا تلغي قيمة التلقي والمشافهة.
خاتمة
تكشف رحلة الشيخ يسري محمد عوض عبد الواحد أن الوصول إلى الإتقان في القرآن والقراءات العشر لا يحدث فجأة، وإنما يتكون عبر سنوات من الحفظ، والتلقي، والسفر إلى العلماء، وحفظ المتون، ودراسة الطرق والتحريرات، ثم نقل العلم إلى الطلاب.
والدرس الأبرز في هذه الرحلة أن طالب القرآن ينبغي أن يجعل هدفه العلم والإتقان وخدمة كتاب الله، لا مجرد الحصول على لقب أو إجازة.
فالإجازة الحقيقية تزداد قيمتها عندما تكون ثمرة لإتقان راسخ ومسؤولية علمية وأمانة في نقل كلام الله.
وتبقى قصة الشيخ يسري محمد عوض عبد الواحد نموذجًا لطالب علم بدأ من موقف مؤثر، ثم واصل الطريق حتى صار معلمًا وباحثًا في علوم القرآن والقراءات، حاملًا رسالة يكررها في كل مرحلة: القرآن علم وتلقٍّ وأمانة، والإتقان هو الطريق إلى حسن حمل هذه الأمانة.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
الأسئلة الشائعة
من هو الشيخ يسري محمد عوض عبد الواحد؟
الشيخ يسري محمد عوض عبد الواحد متخصص في علوم القرآن والقراءات، جمع بين الدراسة الأكاديمية والتلقي والإقراء، ودرس على عدد من كبار علماء القراءات، وعمل معلمًا ومحفظًا في مؤسسات تعليمية متخصصة.
كيف بدأ الشيخ يسري رحلته مع القرآن؟
بدأت رحلته بعد موقف مع أخ كفيف كان يصطحبه إلى المسجد، ثم دفعه ذلك إلى التفكير في حفظ القرآن، فحفظه والتحق بعد ذلك بمعهد القراءات في الإسكندرية.
هل درس الشيخ يسري القراءات العشر؟
نعم، درس القراءات العشر الصغرى، ثم واصل رحلته في القراءات العشر الكبرى، وذكر في الحوار أنه ختمها من أول القرآن إلى آخره بجميع الأوجه.
ما أهمية التلقي في علم القراءات؟
التلقي والمشافهة يساعدان الطالب على ضبط الأداء والأوجه والطرق والتحريرات، وهي أمور لا يكفي فيها الاعتماد على القراءة النظرية للكتب وحدها.
هل الإجازة وحدها دليل على إتقان القراءات؟
بحسب رؤية الشيخ الواردة في الحوار، الإجازة ليست المقياس الوحيد، بل الأهم هو الإتقان والقدرة على أداء القراءة ومعرفة أصولها وطرقها وتحريراتها.
ما رسالة الشيخ لطلاب علم القراءات؟
ينصحهم بالتحري عمن يأخذون عنه العلم، والصبر، والمراجعة، والمحافظة على ورد القرآن، والاهتمام بالإتقان والإخلاص، وعدم جعل الإجازة أو الشهرة الهدف الأساسي.
ولمن يرغب في التعرّف بشكل أعمق على تفاصيل هذه الرحلة والاستفادة من التجربة والنصائح الواردة في الحوار، يمكنكم مشاهدة الحلقة كاملة من بودكاست شفيع عبر الفيديو التالي:



