رحلة التفوق إلى حفظ القرآن والإجازات القرآنية
ليس حفظ القرآن الكريم طريقًا منفصلًا عن النجاح في الدراسة والعمل، بل قد يكون القرآن مصدرًا للعزيمة والانضباط وعلو الهمة. وهذا ما تكشفه رحلة الدكتور والمهندس محمود طه؛ رحلة بدأت بالتفوق الدراسي منذ الصغر، ثم انتقلت إلى حفظ القرآن الكريم، ودراسة التجويد والقراءات، والحصول على الإجازات القرآنية، مع الاستمرار في مسيرته الأكاديمية والهندسية.
فقد استطاع د. محمود طه أن يجمع بين التفوق العلمي وحفظ القرآن الكريم، حتى حصل في الثانوية على مجموع 99.3%، ثم واصل تفوقه في كلية الهندسة، وفي الوقت نفسه استمر في رحلته مع القرآن حتى حصل على إجازاته القرآنية، ثم اتجه إلى دراسة علوم القراءات وتحقيق الأسانيد القرآنية.
لكن أهمية هذه الرحلة لا تكمن في الإنجازات وحدها، وإنما في الدروس التي تحملها لكل طالب يريد أن يجمع بين حفظ القرآن والدراسة، ولكل أسرة تبحث عن الطريقة الصحيحة لاكتشاف قدرات أبنائها، ولكل معلم يريد أن يرفع سقف طموح طلابه.
وفي هذه الحلقة من بودكاست شفيع، نستمع إلى تفاصيل هذه الرحلة، ونتعرف على أثر الأسرة، والصحبة الصالحة، وتنظيم الوقت، وتقليل المشتتات، والرضا باختيار الله، في صناعة طريق مختلف للنجاح.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
من التفوق الدراسي إلى البحث عن طريق جديد
بدأت ملامح التفوق تظهر في حياة د. محمود طه منذ طفولته، وكان لوالده دور واضح في تنمية فضوله العلمي. فقد كان والده، وهو مهندس، يحرص على أن يفتح أمام أبنائه أبواب التفكير والتساؤل منذ الصغر، فيحدثهم عن مفاهيم ونظريات قد تبدو أكبر من أعمارهم.
لم يكن الهدف مجرد أن يعرف الطفل معلومة جديدة، وإنما أن يتعلم كيف يسأل ويبحث ويفكر.
ومع انتقاله إلى المرحلة الإعدادية، بدأ اهتمامه بالتفوق يزداد. وفي الصف الأول الإعدادي كان من المتفوقين في مدرسته، ثم ازداد تركيزه في الصف الثاني، حتى أصبح الأول على المدرسة.
وفي الصف الثالث الإعدادي جاءت مرحلة فارقة، حيث استطاع بفضل الله أن يكون من أوائل محافظة القاهرة، وحصل على تكريمات متعددة نتيجة تفوقه الدراسي.
لكن هذه المرحلة لم تكن نهاية قصة التفوق، بل كانت بداية انتقاله إلى بيئة تعليمية مختلفة.
مدرسة المتفوقين.. البيئة التي غيّرت نظرته إلى النجاح
بعد تفوقه في المرحلة الإعدادية، عُرض عليه الالتحاق بمدرسة المتفوقين، وهي مدرسة تستقبل الطلاب المتفوقين من محافظات مختلفة، ويخضع المتقدمون إليها لاختبارات من بينها اختبار للذكاء.
ورغم أن الإدارة التعليمية في منطقته كانت ترغب في استمراره معها في المرحلة الثانوية، قرر بعد الاستخارة أن يخوض التجربة الجديدة.
في البداية لم تكن التجربة كما تخيلها؛ فقد فوجئ بأن الإمكانيات والموارد ليست بالمستوى الذي كان يتوقعه. لكنه اكتشف سريعًا أن قوة المدرسة الحقيقية لم تكن في الإمكانيات المادية، وإنما في الطلاب والمعلمين.
كان الطلاب من المتفوقين، ولكثير منهم همم عالية في الدراسة وحفظ القرآن وطلب العلم. وكان بعضهم يستغل كل لحظة متاحة في المذاكرة والتعلم.
وهنا اكتشف د. محمود طه درسًا مهمًا ظل يؤثر فيه حتى اليوم: الإنسان يتأثر بشدة بالبيئة والصحبة المحيطة به.
فبعد أن كان متفوقًا في بيئته السابقة، وجد نفسه وسط مجموعة كبيرة من الطلاب الذين يرون التفوق أمرًا طبيعيًا، ويرفعون سقف طموحاتهم باستمرار.
وهذا جعله يعيد النظر في أهدافه، ويتساءل: إذا كان هؤلاء الطلاب يستطيعون الوصول إلى هذه المستويات من التفوق، فلماذا لا أرفع أنا أيضًا سقف طموحي؟
أثر صحبة أهل الهمة في رحلة حفظ القرآن
كان من أبرز المفاجآت التي واجهته في مدرسة المتفوقين أن عددًا كبيرًا من زملائه كانوا قد حفظوا القرآن الكريم، رغم تفوقهم الدراسي الكبير.
كان يرى طلابًا يجمعون بين الدراسة وحفظ القرآن، بل ويضعون أهدافًا علمية كبيرة لأنفسهم، وهو ما جعله يتساءل عن إمكانية الجمع بين التفوق الدراسي وحفظ القرآن الكريم.
ومن هنا بدأ يتغير هدفه تدريجيًا.
فبعد أن كان طموحه في البداية أن يكون من أوائل المحافظة وأن يلتحق بكلية الهندسة، بدأ في المرحلة الثانوية يفكر في هدف آخر: أن يحفظ القرآن الكريم إلى جانب دراسته.
وهذه النقلة في التفكير تكشف أهمية الصحبة الصالحة وأهل الهمة؛ فالإنسان عندما يعيش وسط أشخاص يعتبرون العمل الصالح والتفوق أمرًا طبيعيًا، يصبح أكثر استعدادًا لأن يرفع مستواه ويجتهد فيما كان يظنه صعبًا.
وقد لخّص د. محمود طه هذا المعنى في تجربته بأن مخالطة أهل القرآن جعلته يشعر أن حفظ القرآن أمر طبيعي، وليس مشروعًا مستحيلًا أو بعيد المنال.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
كيف بدأ حفظ القرآن الكريم؟
لم يبدأ د. محمود طه حفظ القرآن من خلال خطة ضخمة منذ اليوم الأول، وإنما جاءت البداية بصورة بسيطة جدًا.
ففي المرحلة الثانوية، ومع كثرة التنقل والمشاوير، بدأ يستمع إلى القرآن أثناء ذهابه وعودته. وكان يكرر السور التي يستمع إليها مرات عديدة، حتى وجد نفسه قد حفظ بعضها من كثرة السماع.
ثم انتقل من سورة إلى أخرى، وبدأت الفكرة تكبر تدريجيًا.
فبعد أن اكتشف أن الاستماع المتكرر يمكن أن يساعده على الحفظ، قرر أن يستثمر هذه الفرصة بصورة أكبر، حتى تمكن من حفظ أجزاء من القرآن من خلال السماع والمراجعة.
وفي رمضان خلال الصف الثاني الثانوي، قرر أن يجعل هدفه حفظ سورة البقرة، وبالفعل بدأ في حفظها، ثم واصل رحلته مع القرآن.
وبهذه الخطوات المتدرجة، انتقل من مجرد الاستماع إلى القرآن إلى مشروع حقيقي لحفظ القرآن الكريم.
حفظ القرآن مع الدراسة.. هل يمكن الجمع بينهما؟
تجربة د. محمود طه تقدم نموذجًا عمليًا لإمكانية الجمع بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي، لكن ليس من خلال إلغاء أحد الجانبين لصالح الآخر، وإنما من خلال تنظيم الوقت واستثمار الفرص المتاحة.
ففي الصف الثالث الثانوي، بدأ يذهب إلى مركز الشيخ أحمد عيسى المعصراوي، ويحصل على قدر من القرآن ليحفظه ويراجعه، ثم يعود إلى دراسته.
لم تكن الرحلة سهلة، فقد كان عليه أن يوازن بين المدرسة والدروس والمذاكرة وحفظ القرآن ومراجعته، لكن الاستمرار والتوفيق من الله ساهما في إتمام الرحلة.
وفي نهاية الثانوية، حصل على مجموع 99.3%، وفي الوقت نفسه كان قد أتم حفظ القرآن الكريم.
وهكذا تحققت له الغايتان اللتان كان قد حددهما لنفسه: الالتحاق بالهندسة وحفظ القرآن الكريم.
وهنا تظهر إحدى أهم رسائل هذه القصة: ليس من الضروري أن يكون حفظ القرآن عائقًا أمام النجاح الدراسي، بل يمكن أن يكون جزءًا من حياة الطالب إذا أحسن تنظيم وقته واستعان بالله وأخذ بالأسباب.
من صدمة التنسيق إلى بركة اختيار الله
بعد أن أنهى د. محمود طه المرحلة الثانوية بمجموع 99.3%، كان يظن أن الطريق أصبح واضحًا أمامه، وأن تفوقه الدراسي سيقوده إلى كلية الهندسة التي كان يطمح إليها.
لكن حدث ما لم يكن يتوقعه.
فبحكم نظام مدرسة المتفوقين التي كان يدرس بها، لم يكن تنسيق القبول بالجامعات يسير بالطريقة التي كان يتصورها. وبعد أن كان يعتقد أن مجموعه سيقوده إلى هندسة القاهرة، فوجئ بأن التنسيق لم يفتح له هذا الاختيار، ولم يكن أمامه سوى الالتحاق بكلية الهندسة بشبرا.
كانت الصدمة كبيرة بالنسبة إليه؛ فقد قضى سنوات الثانوية وهو يتصور مسارًا معينًا، وكان يرى أنه يستحق الالتحاق به بسبب مجموعه وتفوقه.
حاول أن يبحث عن حل، وذهب إلى جهات مختلفة، وراجع المسؤولين، وحاول إثبات أحقيته في الالتحاق بما كان يطمح إليه، لكن الأمر لم يتيسر.
وفي النهاية، لم يجد أمامه إلا أن يتوكل على الله ويقبل بالمسار الذي كُتب له.
وبعد سنوات من هذه التجربة، أصبح ينظر إليها بطريقة مختلفة تمامًا.
فالمكان الذي ظن في البداية أنه لم يكن اختياره الأفضل، أصبح واحدًا من أهم أبواب الخير التي فُتحت له في حياته.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
لماذا كانت هندسة شبرا نقطة تحول؟
كان قرب كلية الهندسة بشبرا من منزله أحد العوامل التي ساعدته على تحقيق مستوى مرتفع من التحصيل العلمي.
فبدلًا من أن يستهلك وقتًا طويلًا في التنقل، أصبح لديه وقت أكبر للدراسة والمراجعة، واستطاع خلال سنوات الكلية أن يحافظ على تفوقه، بل كان الأول على دفعته.
لكن الأمر لم يتوقف عند التفوق الأكاديمي.
ففي كلية الهندسة بشبرا تعرف على عدد من المشايخ وطلاب العلم، وكان من بينهم أحد المهندسين الذين يدرسون في الكلية، والذي كان له دور في توجيهه نحو القرآن والإجازات القرآنية.
وهنا بدأت مرحلة جديدة في رحلته.
فقد أتم على يد أحد مشايخه ختمة التمكين وختمة الإجازة، وحصل على أول إجازة له في القرآن الكريم.
وهكذا أصبح المكان الذي كان يشعر في البداية أنه أقل من طموحه، سببًا في فتح أبواب لم يكن يتوقعها.
وهذه من أبرز الرسائل التي تتكرر في قصة د. محمود طه: قد يظن الإنسان أن بعض الاختيارات أقل من طموحه، ثم يكتشف بعد سنوات أن اختيار الله كان يحمل له خيرًا لم يكن يستطيع رؤيته في البداية.
من حفظ القرآن إلى الحصول على الإجازات القرآنية
لم تتوقف رحلته مع القرآن بعد إتمام الحفظ، بل بدأ ينتقل إلى مرحلة جديدة، وهي مرحلة الإتقان والإجازة وتحقيق الأسانيد القرآنية.
وكان قد أتم ختمتين في مركز الشيخ أحمد عيسى المعصراوي، لكنه لم يحصل على الإجازة فيهما في البداية.
وبعد ذلك عاد إلى المركز، وطلب أن يتم اختباره في الختمتين، حتى حصل بفضل الله على إجازتين.
وبذلك تخرج من كلية الهندسة وهو يحمل إجازات قرآنية، إلى جانب تفوقه الأكاديمي في الهندسة.
لكن في السنة الثالثة من الكلية حدثت خطوة أخرى مهمة، عندما نصحه أحد مشايخه بالتقدم إلى معهد القراءات.
كان يعلم أن اختبارات معهد القراءات ليست سهلة، وأن اجتيازها يحتاج إلى استعداد واجتهاد، لكنه قرر أن يجرب.
وبفضل الله اجتاز الاختبار الشفوي والتحريري، وقُبل في المعهد من المرة الأولى، وأصبح يدرس في معهد القراءات بالتزامن مع دراسته في كلية الهندسة.
وفي الوقت نفسه، ظل محافظًا على تفوقه الجامعي، حتى كان الأول على دفعته.
وهنا يظهر نموذج عملي واضح لإمكانية الجمع بين الدراسة الأكاديمية وطلب العلم الشرعي وحفظ القرآن، بشرط وجود الهدف الواضح، وحسن استثمار الوقت، والاستعانة بالله.
كيف تحولت هندسة الحاسبات إلى خدمة للقرآن؟
من أكثر الجوانب تميزًا في قصة د. محمود طه أن تخصصه الهندسي لم يكن منفصلًا عن رحلته القرآنية، بل أصبح لاحقًا وسيلة لخدمة أحد المجالات المرتبطة بالإجازات والأسانيد القرآنية.
بدأت الفكرة عندما حصل على أول إجازة في القرآن الكريم، فقام بتصميم ما يُعرف بـ شجرة السند، وحرص على أن يكون التصميم دقيقًا ومنظمًا.
وبحكم خلفيته الهندسية، واهتمامه بالبرمجة وقواعد البيانات والتصميم، استطاع أن يتعامل مع هذه المعلومات بطريقة مختلفة.
عرض شجرة السند على أحد مشايخه في معهد القراءات، فأعجب بها.
ثم شاهدها أحد الطلاب القادمين من ماليزيا، وأراد أن يحصل على تصميم مماثل.
في البداية كان الأمر مجرد تجربة بسيطة، لكنه لم يتوقع أن تتحول إلى باب واسع من العمل.
وبعد أن نفذ التصميم، فوجئ في اليوم التالي بعدد من الطلاب يطلبون منه تصميم أشجار سند مماثلة.
ومن هنا بدأت فكرة جديدة في التوسع.
من مشروع شخصي إلى العمل في تحقيق الأسانيد
مع تزايد الطلب على تصميم أشجار السند، بدأ د. محمود طه يتعرف بصورة أكبر على المشايخ المهتمين بالإجازات والأسانيد القرآنية.
وأصبح يزور عددًا من مشايخ معهد القراءات، ويعرض عليهم إمكانية تنظيم وتوثيق أسانيد القرآن الكريم بصورة دقيقة.
وهنا اجتمع عنده أمران:
العلم القرآني من جهة، والخبرة الهندسية والبرمجية من جهة أخرى.
فهو لم يدخل هذا المجال باعتباره طالب علم شرعي فقط، وإنما امتلك أيضًا خبرة في تصميم قواعد البيانات والبرامج وتنظيم المعلومات.
وهذا ساعده على التعامل مع أعداد كبيرة من بيانات الأسانيد بطريقة أسرع وأكثر تنظيمًا من الطرق التقليدية التي كان يعتمد عليها البعض.
ومع مرور الوقت، توسع نشاطه في هذا المجال، وأصبح يعمل على تحقيق الأسانيد القرآنية لمشايخ وطلاب من محافظات مختلفة.
وأشار خلال الحلقة إلى أن هذا الباب استمر معه سنوات طويلة، وأنه تعرف من خلاله على عدد كبير من أهل القرآن والمشايخ في مختلف أنحاء مصر، بل امتد التعارف إلى أشخاص من دول أخرى.
وهكذا تحولت خطوة صغيرة بدأت بتصميم شجرة سند شخصية إلى مجال واسع أصبح جزءًا مهمًا من مسيرته.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
البركة التي قد تأتي من خطوة صغيرة
من الدروس اللافتة في هذه التجربة أن د. محمود طه لم يبدأ مشروع تحقيق الأسانيد القرآنية بخطة تجارية أو مشروع ضخم.
لقد بدأ الأمر بخطوة بسيطة جدًا:
حصل على إجازته، وصمم شجرة السند الخاصة به، ثم أعجب بها أحد الأشخاص وطلب واحدة لنفسه.
ثم جاء أشخاص آخرون.
ثم بدأ المشايخ يعرفونه.
ثم اتسع المجال.
وهذا يوضح معنى كان يتكرر في حديثه عن قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾.
فالإنسان قد يبدأ بعمل صغير لا يتوقع أن يكون له أثر كبير، ثم يفتح الله له من خلاله أبوابًا أخرى لم تكن في حساباته.
كيف أثرت مدرسة المتفوقين في حياته الجامعية؟
لم يكتفِ د. محمود طه بنقل ما تعلمه من مدرسة المتفوقين في الجانب العلمي، وإنما حاول نقل بعض المبادئ التي ساعدته على التفوق إلى حياته الجامعية.
وكان من أهم هذه المبادئ تقليل المشتتات.
في مدرسة المتفوقين كان الطلاب يعيشون داخل المدرسة، ولم تكن الهواتف المحمولة والإنترنت والشاشات متاحة بالصورة التي أصبحت عليها الحياة اليوم.
وكان استخدام الإنترنت محدودًا ومخصصًا لأغراض معينة.
هذا النظام جعله يدرك حجم الوقت الذي يمكن أن تستهلكه المشتتات دون أن يشعر الإنسان.
لذلك قرر عندما التحق بالجامعة أن يطبق هذه الفكرة بإرادته.
لم يكن الأمر هذه المرة مفروضًا عليه من المدرسة أو الأسرة، وإنما اختار بنفسه أن يقلل استخدام الهاتف والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي إلى أدنى درجة ممكنة، وأن يجعل تركيزه الأساسي على أهدافه.
وكان يرى أن الطالب في مرحلة الدراسة يحتاج إلى حماية وقته وعقله من كثرة الملهيات.
الانعزال عن المشتتات وسيلة للتركيز
من أهم النصائح التي خرج بها د. محمود طه من تجربته أن الطالب يحتاج إلى قدر من الانعزال عن المشتتات، خاصة في مراحل الدراسة والتعلم.
والمقصود ليس الانقطاع عن الناس أو الحياة بشكل كامل، وإنما عدم السماح للأمور غير المهمة بأن تستنزف الوقت والطاقة.
فالطالب لديه أهداف محددة:
- النجاح في دراسته.
- تعلم مهارة جديدة.
- حفظ القرآن الكريم.
- إتقان تخصصه.
- طلب العلم.
وكلما زادت المشتتات، أصبح تحقيق هذه الأهداف أكثر صعوبة.
ولهذا كان يرى أن تقليل استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يمنح الطالب وقتًا وطاقة ذهنية أكبر للتعلم.
وقد انعكس ذلك على تجربته الجامعية؛ إذ استطاع أن يحافظ على تفوقه الأكاديمي، وفي الوقت نفسه يستمر في حفظ القرآن ودراسة القراءات وتحقيق الأسانيد.
القرآن والتفوق.. علاقة وليست تعارضًا
تقدم هذه الرحلة رسالة مهمة للطلاب وأولياء الأمور: القرآن الكريم لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره منافسًا للتفوق الدراسي.
فد. محمود طه جمع خلال مراحل مختلفة من حياته بين:
- حفظ القرآن الكريم.
- دراسة التجويد.
- دراسة القراءات.
- الحصول على الإجازات القرآنية.
- الدراسة في كلية الهندسة.
- التفوق الأكاديمي.
- تعلم البرمجة.
- العمل في مجال تحقيق الأسانيد.
وهذا لم يحدث في ظروف مثالية خالية من الضغوط، بل وسط الدراسة والمواصلات والالتزامات المختلفة.
لكن العامل الأساسي كان وضوح الهدف، وتقليل المشتتات، والاستفادة من الصحبة الصالحة، والبحث عن المعلمين الذين يرفعون مستوى الطالب، مع الإيمان بأن التوفيق في النهاية من الله سبحانه وتعالى.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
دور الأسرة في اكتشاف مواهب الأبناء
من أهم الجوانب التي تناولتها الحلقة دور الأسرة في صناعة شخصية الأبناء واكتشاف قدراتهم مبكرًا.
ويظهر في تجربة د. محمود طه أن والده لم يكن يتعامل مع التعليم باعتباره مجرد تحصيل دراسي، بل كان يحاول منذ الطفولة أن يفتح أمام أبنائه أبواب التفكير والفضول العلمي.
فكان والده يشرح له بعض الأفكار والنظريات في سن مبكرة، حتى قبل أن يصل إلى المرحلة التي يدرسها فيها بشكل رسمي.
قد يبدو هذا الأمر بسيطًا، لكنه ترك أثرًا كبيرًا في طريقة تفكيره؛ إذ اعتاد منذ الصغر على السؤال والبحث ومحاولة فهم الأشياء بدلًا من الاكتفاء بحفظها.
وهنا تظهر إحدى أهم مسؤوليات الوالدين: عدم الاستهانة بقدرات الطفل بسبب صغر سنه.
فالطفل قد يمتلك استعدادًا أو موهبة تحتاج فقط إلى من يكتشفها ويمنحها الفرصة للنمو.
ولا يعني ذلك أن يكون الوالدان مطالبين بتحويل أبنائهم إلى عباقرة أو تحميلهم فوق طاقتهم، وإنما أن يفتحوا أمامهم أبواب المعرفة، ويلاحظوا ما يميلون إليه، ويشجعوهم على التعلم والاستكشاف.
التربية لا تقتصر على التعليم
من الجوانب الأخرى التي أشار إليها د. محمود طه في حديثه دور والدته في توفير بيئة تساعد على التركيز.
فقد كانت الأسرة تسمح بالتواصل مع الأقارب والجيران، لكن مع الحرص على عدم الإفراط في الاختلاط.
ومن وجهة نظره، ساعده ذلك على امتلاك مساحة أكبر للتفكير والتركيز في الدراسة والتعلم.
وهذه النقطة مهمة عند الحديث عن تربية الأبناء والنجاح الدراسي؛ لأن البيئة المحيطة بالطفل تؤثر بصورة كبيرة في اهتماماته وعاداته.
فالطفل الذي يعيش في بيئة مليئة بالمشتتات قد يجد صعوبة في التركيز، بينما البيئة المنظمة التي تمنحه وقتًا للقراءة والتعلم والتفكير يمكن أن تساعده على بناء عادات أفضل.
وفي تجربة د. محمود طه، لم تكن الأسرة تكتفي بتوفير الأدوات التعليمية، بل كانت تحاول أيضًا تشكيل البيئة التي تساعده على الاستفادة منها.
الصحبة.. أحد أهم مفاتيح النجاح
إذا كان للأسرة دور أساسي في بداية الطريق، فإن الصحبة أصبحت عاملًا مؤثرًا بصورة واضحة في المرحلة التالية من رحلة د. محمود طه.
فالانتقال إلى مدرسة المتفوقين وضعه وسط مجموعة من الطلاب الذين يمتلكون مستويات عالية من الاجتهاد والطموح.
وهنا تغيرت نظرته إلى كثير من الأمور.
ففي بيئته السابقة كان تفوقه أمرًا مميزًا، لكنه عندما أصبح وسط مجموعة كبيرة من المتفوقين، لم يعد يشعر بأنه حالة استثنائية.
بل أصبح يرى أن التفوق والاجتهاد وحفظ القرآن وطلب العلم أمور طبيعية يمكن أن يقوم بها الإنسان.
وهذا النوع من الصحبة يمكن أن يغير نظرة الشخص إلى قدراته.
فعندما يعيش الطالب وسط أشخاص لديهم أهداف واضحة ويجتهدون باستمرار، يصبح من الطبيعي أن يسأل نفسه:
لماذا لا أكون مثلهم؟ ولماذا لا أرفع مستوى طموحي؟
ولهذا أكد د. محمود طه أن الصحبة كانت من أهم الأشياء التي انتفع بها في مدرسة المتفوقين، وأن كثيرًا من زملائه ظلوا من أصدقائه المقربين حتى بعد مرور سنوات طويلة.
لماذا تؤثر البيئة في مستوى طموح الإنسان؟
الإنسان يتأثر بصورة كبيرة بما يعتبره طبيعيًا في البيئة التي يعيش فيها.
فإذا كان الطالب محاطًا بأشخاص لا يهتمون بالدراسة أو طلب العلم، فقد يصبح الاجتهاد في نظره شيئًا استثنائيًا وصعبًا.
أما إذا كان يعيش وسط طلاب يحفظون القرآن، ويقرأون الكتب، ويجتهدون في دراستهم، ويضعون أهدافًا كبيرة، فقد يبدأ في النظر إلى هذه الأعمال باعتبارها جزءًا طبيعيًا من الحياة.
وهذا بالضبط ما حدث في تجربة د. محمود طه.
فقد رأى زملاء له يجمعون بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي، ورأى آخرين يضعون لأنفسهم أهدافًا علمية كبيرة، فبدأ يراجع الصورة التي كان يحملها عن قدراته وأهدافه.
ومن هنا يمكن القول إن اختيار الصحبة الصالحة وأهل الهمة ليس مجرد نصيحة تربوية عامة، بل يمكن أن يكون عاملًا حقيقيًا في تغيير مستوى الإنسان.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
التنافس الإيجابي ورفع سقف الطموح
من الدروس الأخرى التي ظهرت في الحلقة مفهوم التنافس الإيجابي.
التنافس هنا لا يعني أن يريد الإنسان إسقاط غيره أو أن يشعر بالغيرة السلبية منه، وإنما أن يرى نجاح الآخرين دافعًا إلى تطوير نفسه.
في مدرسة المتفوقين، كان الطلاب يتنافسون في الدراسة والتعلم، لكن هذا التنافس كان يدفع كل واحد منهم إلى البحث عن مستوى أعلى.
فإذا رأى الطالب زميلًا يحقق إنجازًا جديدًا، لا يكون السؤال: كيف أتفوق عليه فقط؟
بل يكون السؤال الأهم:
ماذا يمكنني أن أتعلم منه؟ وكيف أرفع مستواي؟
وهذا النوع من التنافس يمكن أن يكون مفيدًا في حفظ القرآن، والدراسة، وطلب العلم، والعمل، وتعلم المهارات المختلفة.
المعلم الذي يرفع سقف توقعات الطالب
لم يكن تأثير مدرسة المتفوقين مرتبطًا بالطلاب فقط، بل كان للمعلمين دور مهم أيضًا.
وقد أشار د. محمود طه إلى أن المعلمين كانوا يتعاملون مع الطلاب باعتبارهم من أفضل الطلاب، ولذلك كانوا يحاولون تقديم مستوى يتناسب مع قدراتهم، ويشجعونهم دائمًا على البحث عن المزيد.
وهنا يظهر دور المعلم في رفع سقف توقعات الطالب.
فالمعلم الذي يتعامل مع الطالب على أنه ضعيف أو متوسط قد يجعله يكتفي بهذا المستوى.
أما عندما يرى المعلم في الطالب قدرة على الوصول إلى مستوى أعلى، ويطالبه باستمرار بالتطور، فقد يساعده على اكتشاف قدرات لم يكن يعرف أنها موجودة لديه.
ولهذا لا ينبغي أن تكون مهمة المعلم مجرد شرح المنهج وإنهاء الدروس، بل يمكن أن يكون له دور في بناء شخصية الطالب وتوسيع طموحه.
ماذا تعلم من الرضا باختيار الله؟
من أكثر المعاني حضورًا في قصة د. محمود طه معنى الرضا بقضاء الله.
فقد تكرر في رحلته أكثر من موقف لم يكن يتمنى أن يحدث بهذه الصورة.
كان من بينها الانتقال إلى مدرسة المتفوقين رغم أن إمكانياتها لم تكن كما توقع، ثم عدم الالتحاق بالكلية التي كان يريدها، والذهاب إلى هندسة شبرا بدلًا منها.
وفي كل مرة كان يرى في البداية أن الأمر يمثل مشكلة أو عائقًا.
لكن مع مرور الوقت اكتشف أن هذه الخيارات نفسها أصبحت أبوابًا لخير كبير.
فالمدرسة التي لم تعجبه إمكانياتها في البداية أعطته صحبة مميزة ومعلمين متميزين.
وهندسة شبرا التي كان حزينًا بسبب الالتحاق بها أصبحت سببًا في قربه من المنزل، وتحقيقه مستويات عالية من التفوق، والتعرف على مشايخ، والحصول على إجازات قرآنية، ثم دخول معهد القراءات.
ولهذا أصبح ينظر إلى هذه الأحداث باعتبارها أمثلة عملية على معنى قوله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾
فالإنسان يرى جزءًا صغيرًا من الصورة، بينما يعلم الله سبحانه وتعالى ما لا يعلمه الإنسان.
لا ترسم طريقك بالكامل وتنسَ تدبير الله
لا تعني هذه الفكرة أن يتوقف الإنسان عن التخطيط والسعي، وإنما أن يخطط ويجتهد ثم يرضى بما يقدره الله له.
فد. محمود طه كان لديه هدف واضح، وسعى إليه بالفعل، لكنه عندما لم يتحقق المسار الذي رسمه لنفسه، لم يتوقف عن العمل.
دخل هندسة شبرا، واجتهد فيها، وحقق التفوق، ثم اكتشف لاحقًا أن هذا الطريق حمل له فوائد كثيرة لم يكن يستطيع تصورها.
وهذا درس مهم للطلاب وأولياء الأمور؛ فليس كل تأخر أو تغيير في الخطة يعني فشلًا.
أحيانًا يتغير الطريق، لكن الهدف الحقيقي يتحقق بطريقة أخرى.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
كيف تحولت المشقة إلى فرصة لحفظ القرآن؟
من المواقف اللافتة في الرحلة أن بعض الظروف التي كانت تبدو مرهقة أصبحت سببًا مباشرًا في حفظ القرآن.
فبسبب ظروف الدراسة والتنقل، كان د. محمود طه يضطر إلى الذهاب والعودة لمسافات، وبدلًا من أن يضيع هذا الوقت، بدأ يستمع إلى القرآن أثناء الطريق.
وكان يكرر السور مرات كثيرة، حتى حفظ بعضها من كثرة السماع.
ثم انتقل إلى الحفظ بصورة أكثر تنظيمًا، حتى استطاع إتمام حفظ القرآن خلال سنوات الثانوية.
وهنا تظهر قيمة مهمة جدًا وهي استثمار الأوقات المهدرة.
فقد لا يستطيع الطالب إضافة ساعات طويلة إلى يومه، لكنه يستطيع أحيانًا تحويل الأوقات الموجودة أصلًا إلى فرص للتعلم.
وقت الطريق، والانتظار، وبعض الأوقات التي لا تحتاج إلى تركيز بصري كامل، يمكن استثمارها في الاستماع والمراجعة، بحسب طبيعة المهمة.
القرآن الكريم ليس عائقًا أمام التفوق
من أبرز الرسائل التي يمكن استخلاصها من القصة أن الجمع بين القرآن والدراسة ممكن.
فالشخصية التي تتحدث عنها الحلقة لم تترك الدراسة من أجل القرآن، ولم تترك القرآن من أجل الدراسة.
بل سار في المسارين معًا.
حفظ القرآن خلال المرحلة الثانوية، وحصل على مجموع مرتفع، ثم التحق بالهندسة، وكان الأول على دفعته، وفي الوقت نفسه واصل دراسة التجويد والقراءات وحصل على الإجازات القرآنية.
وهذا لا يعني أن كل طالب سيحقق النتيجة نفسها بالطريقة نفسها، وإنما يعني أن وجود هدف قرآني إلى جانب الهدف الدراسي ليس بالضرورة سببًا للفشل.
المهم هو الواقعية في تحديد الأهداف، وتنظيم الوقت، واختيار المعلم المناسب، والاستمرار دون انقطاع.
أهمية تعلم التجويد بعد حفظ القرآن
تناولت الحلقة أيضًا سؤالًا مهمًا يتعلق بالفرق بين حفظ القرآن وتعلم التجويد.
ففي بداية رحلته، كان د. محمود طه يحفظ ما يسمعه، ولم يكن قد أتقن جميع أحكام التجويد.
لكن مع مرور الوقت أصبح تعلم التجويد أمرًا ضروريًا في رحلته.
فالتجويد ليس مجرد تحسين للصوت، وإنما يتعلق بصحة النطق والأداء والمحافظة على ألفاظ القرآن.
كما أن بعض الأخطاء في نطق الحروف يمكن أن تؤثر في المعنى، ولذلك يحتاج طالب القرآن إلى أن ينتقل من مجرد الحفظ إلى الإتقان.
ومن هنا فإن رحلة حفظ القرآن يمكن أن تمر بمراحل متدرجة: البداية بالحفظ، ثم تثبيت المحفوظ، ثم تعلم التجويد وتصحيح التلاوة، ثم الوصول إلى مستويات أعلى من الإتقان بحسب هدف الطالب وما يتلقاه عن أهل العلم.
القرآن وأثره في الهمة والإنتاجية
عندما سُئل د. محمود طه عن أثر القرآن في الإنتاجية، أكد أن القرآن يمكن أن يكون عاملًا في شحذ الهمة.
فالقرآن يعرّف الإنسان بقصص الأنبياء والصالحين، ويذكره بالصبر والثبات ومواجهة الابتلاءات، ويمنحه معاني تساعده على التعامل مع تحديات الحياة.
ومن هذه الزاوية، لا يكون أثر القرآن محصورًا في الأجر الأخروي فقط، بل يمكن أن ينعكس على شخصية الإنسان وسلوكه وهمته في الحياة.
فالطالب الذي يقرأ القرآن ويتأمل معانيه قد يجد فيه ما يعينه على الصبر في الدراسة، والاستمرار عند مواجهة الصعوبات، وعدم الاستسلام سريعًا عند الفشل أو التأخر.
وهذا من المعاني التي تؤكدها رحلة د. محمود طه نفسها؛ فقد واجه أكثر من موقف لم يكن على الصورة التي يريدها، لكنه واصل طريقه حتى اكتشف الخير الذي كان وراءها.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
دروس عملية من رحلة د. محمود طه
تحمل رحلة د. محمود طه مجموعة من الدروس التي يمكن للطلاب وطلاب القرآن وأولياء الأمور الاستفادة منها، خاصة لمن يحاولون الجمع بين الدراسة وحفظ القرآن الكريم.
1. ابدأ بما تستطيع ولا تنتظر الظروف المثالية
لم يبدأ د. محمود طه رحلته مع القرآن في ظروف مثالية، بل بدأ من الاستماع أثناء الطريق، ثم انتقل تدريجيًا إلى الحفظ، وبعد ذلك إلى التمكين والإجازة ودراسة القراءات.
وهذا يوضح أن البداية لا تحتاج إلى أن تكون كبيرة.
يمكن للطالب أن يبدأ بقدر يسير من الحفظ، ثم يحافظ عليه ويزيده تدريجيًا. المهم هو الاستمرار وعدم انتظار الوقت المثالي أو الظروف التي قد لا تأتي.
2. استثمر الأوقات التي تضيع منك
من أهم الأمور التي ساعدت في رحلة الحفظ استثمار أوقات التنقل والاستماع إلى القرآن.
وقد تكون لدى كثير من الطلاب أوقات متفرقة خلال اليوم لا يمكن استخدامها في الدراسة التقليدية، مثل وقت الذهاب والعودة أو الانتظار.
ويمكن استثمار بعض هذه الأوقات في الاستماع إلى القرآن أو مراجعة المحفوظ، بحسب طبيعة الوقت والمهمة.
لكن الاستماع وحده لا يغني عن التلقي الصحيح والمراجعة مع المعلم، خصوصًا عندما يكون الهدف هو إتقان التلاوة والحصول على الإجازة.
3. اختر الصحبة التي ترفع طموحك
من أبرز الدروس التي تكررت في رحلة د. محمود طه أهمية الصحبة.
فالإنسان يتأثر بمن حوله، ولذلك فإن وجوده وسط طلاب متفوقين وأشخاص من أهل القرآن ساعده على رفع مستوى طموحه.
ولهذا يحتاج طالب العلم والقرآن إلى البحث عن البيئة التي تشجعه على الاستمرار، وتساعده على تطوير نفسه، وتذكره بأهدافه عندما يشعر بالفتور.
4. لا تجعل الهاتف يسرق أهدافك
من التجارب التي نقلها د. محمود طه تقليل المشتتات، خصوصًا الهاتف والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
فالوقت الذي يبدو بسيطًا عند استخدام الهاتف قد يتحول في نهاية اليوم إلى ساعات طويلة.
ولهذا فإن الطالب الذي يريد حفظ القرآن والتفوق في دراسته يحتاج إلى أن يحدد ما يستحق وقته، وأن يقلل من الأشياء التي تستهلك تركيزه دون فائدة حقيقية.
ولا يعني ذلك الانقطاع الكامل عن التكنولوجيا، وإنما استخدامها كوسيلة بدلًا من أن تتحول إلى مصدر دائم للتشتت.
5. لا تتوقف عند الحفظ فقط
حفظ القرآن الكريم مرحلة عظيمة، لكنه ليس نهاية الطريق.
فبعد الحفظ تأتي مرحلة تثبيت المحفوظ، وتصحيح التلاوة، وتعلم التجويد، ثم يمكن لطالب القرآن أن يتدرج في دراسة القراءات والإجازات بحسب قدرته وأهدافه وما يراه مناسبًا له مع شيخه.
وهذا ما تعكسه رحلة د. محمود طه؛ فقد بدأ بالحفظ، ثم انتقل إلى الإتقان، ثم الإجازة، ثم دراسة القراءات، ثم أصبح له اهتمام بتحقيق الأسانيد وتنظيمها.
وهكذا تتحول رحلة القرآن من مجرد حفظ إلى مشروع علمي متدرج.
6. اجمع بين تخصصك وما تحبه
من الدروس اللافتة في القصة أن تخصص د. محمود طه في الهندسة والبرمجة لم يكن بعيدًا عن القرآن.
بل استطاع أن يوظف ما تعلمه في التصميم والبرمجة وقواعد البيانات في تنظيم أشجار الأسانيد القرآنية.
وهذا يفتح بابًا مهمًا أمام الطلاب: ليس مطلوبًا أن يختار الإنسان بين تخصصه الأكاديمي وبين خدمة القرآن.
بل يمكن لكل شخص أن يبحث عن الطريقة التي يستطيع من خلالها توظيف تخصصه ومهاراته في خدمة كتاب الله وأهله.
فالطبيب يمكن أن يخدم من خلال تخصصه، والمهندس كذلك، والمبرمج، والمصمم، والمعلم، وكل صاحب مهارة.
7. ارضَ بما يقدره الله مع الاستمرار في السعي
من أكثر الدروس تأثيرًا في قصة د. محمود طه أن بعض الأمور التي حزن بسببها في البداية كانت تحمل له خيرًا كبيرًا فيما بعد.
عدم دخوله الكلية التي كان يريدها، على سبيل المثال، بدا في البداية أمرًا سلبيًا، لكنه أصبح لاحقًا سببًا في ظروف أفضل، والتعرف على مشايخ، والاستمرار في القرآن، والحصول على الإجازات.
ولهذا فإن الإنسان ينبغي أن يسعى ويخطط ويجتهد، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى الرضا بما يقدره الله له.
فقد يتغير الطريق دون أن تضيع الغاية.
ماذا يتعلم الطالب الذي يريد الجمع بين القرآن والدراسة؟
إذا أردنا تلخيص التجربة في خطوات عملية، فيمكن للطالب أن يبدأ من مجموعة من المبادئ الواضحة:
أولًا: تحديد هدف واقعي في الحفظ إلى جانب الهدف الدراسي.
ثانيًا: وضع وقت ثابت للقرآن لا يتغير بسهولة مع ظروف اليوم.
ثالثًا: الاستفادة من الأوقات المتاحة للمراجعة والاستماع.
رابعًا: اختيار شيخ أو معلم متقن يتابع الحفظ والتلاوة.
خامسًا: تقليل استخدام الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي.
سادسًا: البحث عن صحبة صالحة تشجع على القرآن والعلم.
سابعًا: عدم مقارنة النفس بالآخرين بطريقة محبطة، وإنما الاستفادة من نجاحهم كدافع.
ثامنًا: التدرج وعدم الاستعجال في الوصول إلى النتائج.
فالهدف ليس أن يحفظ الطالب أكبر قدر ممكن في أقصر وقت، وإنما أن يبني علاقة مستمرة مع القرآن، ويحافظ على ما حفظه، ويتقدم في العلم بصورة صحيحة.
من الحفظ إلى الإجازة.. رحلة تحتاج إلى صبر
توضح تجربة د. محمود طه أن الإجازة القرآنية ليست مجرد شهادة يحصل عليها الطالب بعد حفظ القرآن.
بل هي مرحلة مرتبطة بالإتقان والتلقي والاختبار على يد أهل الاختصاص.
ولهذا فإن الطالب الذي يطمح إلى الحصول على إجازة قرآنية يحتاج إلى الصبر، والمداومة على المراجعة، وتصحيح الأخطاء، والتلقي من شيخ متقن.
كما أن دراسة القراءات تحتاج إلى تدرج وتأصيل، فلا ينبغي أن ينتقل الطالب إلى مراحل متقدمة قبل أن يثبت أساسه في الحفظ والتلاوة والتجويد.
ومن هنا تأتي أهمية وجود خطة تعليمية واضحة تناسب مستوى الطالب ووقته وقدرته.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
ماذا تقول هذه الرحلة للآباء والأمهات؟
رسالة القصة لا تتوجه إلى الطلاب فقط، وإنما إلى الآباء والأمهات أيضًا.
فالأسرة تستطيع أن تساعد أبناءها من خلال:
- اكتشاف ميول الطفل وقدراته.
- توفير بيئة هادئة للتعلم.
- تشجيعه دون الضغط المبالغ فيه.
- ربطه بالصحبة الصالحة.
- اختيار المعلم المناسب.
- مساعدته على تنظيم وقته.
- تعليمه أن النجاح يحتاج إلى صبر واستمرار.
والأهم من ذلك كله ألا يختزل الوالدان نجاح الطفل في الدرجات المدرسية فقط.
فقد يكون لدى الطفل ميل واضح للقرآن، أو القراءة، أو العلوم، أو البرمجة، أو غيرها من المجالات.
ومهمة الأسرة أن تساعده على اكتشاف هذه القدرات وتنميتها بصورة متوازنة.
رحلة واحدة.. ودروس كثيرة
عند النظر إلى رحلة د. محمود طه كاملة، نجد أنها لم تكن مجموعة من الإنجازات المنفصلة، وإنما سلسلة مترابطة من الخطوات.
بدأ الأمر ببيئة أسرية شجعت على التفكير، ثم التفوق الدراسي، ثم الانتقال إلى مدرسة المتفوقين، ثم التعرف على صحبة من أهل الهمة، ثم بداية حفظ القرآن، ثم إتمام الحفظ، ثم الالتحاق بكلية الهندسة، ثم الحصول على الإجازات القرآنية، ثم دراسة القراءات، ثم توظيف المهارات الهندسية والبرمجية في خدمة الأسانيد القرآنية.
وهذا التسلسل يوضح أن الإنسان لا يعرف دائمًا إلى أين ستقوده الخطوة التي يقوم بها اليوم.
فقد يبدأ بحفظ صفحة من القرآن، ثم تصبح الصفحة جزءًا من ختمة، ثم يصبح الحفظ بابًا إلى التجويد، ثم إلى الإجازة، ثم إلى علوم القراءات، وربما يفتح الله له بعد ذلك أبوابًا أخرى لخدمة كتابه.
الخلاصة
تكشف قصة د. محمود طه أن حفظ القرآن الكريم والتفوق الدراسي يمكن أن يسيرا معًا عندما تتوفر الهمة، وتنظيم الوقت، والصحبة الصالحة، والبيئة المناسبة، والتوجيه الصحيح.
كما توضح أن النجاح لا يعتمد فقط على القدرات الفردية، وإنما يتأثر بالأسرة والمدرسة والمعلمين والأصدقاء والبيئة المحيطة.
ومن أهم الدروس التي يمكن الخروج بها من هذه الرحلة أن الإنسان لا ينبغي أن يستسلم عند تغير خططه أو عدم تحقق ما كان يتمناه؛ فقد يكون الطريق البديل هو الطريق الذي يحمل له خيرًا أكبر.
أما رحلة القرآن، فهي لا تتوقف عند الحفظ، وإنما يمكن أن تمتد إلى الإتقان والتجويد والإجازات والقراءات، بحسب استعداد الطالب وما يفتح الله له من أبواب.
وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم: ابدأ بما تستطيع، واستمر فيما بدأت، واحرص على الصحبة الصالحة، واستعن بالله، ولا تستهِن بالخطوات الصغيرة؛ فقد تكون بداية رحلة كبيرة مع كتاب الله.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
الأسئلة الشائعة حول حفظ القرآن والإجازات القرآنية
هل يمكن الجمع بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي؟
نعم، وتجربة د. محمود طه تقدم نموذجًا لذلك؛ فقد جمع بين حفظ القرآن والتفوق الدراسي، وحصل على مجموع مرتفع في الثانوية، ثم واصل تفوقه في كلية الهندسة بالتزامن مع رحلته في القرآن.
كيف أبدأ حفظ القرآن الكريم مع الدراسة؟
يمكن البدء بقدر يومي مناسب للوقت والقدرة، مع تخصيص وقت ثابت للمراجعة، والاستفادة من أوقات الاستماع والتنقل، والاستعانة بمعلم يتابع الحفظ ويصحح التلاوة.
هل الاستماع إلى القرآن يساعد على الحفظ؟
يمكن أن يساعد الاستماع المتكرر في تثبيت الآيات والتعوّد على التلاوة، وقد استفاد د. محمود طه من الاستماع أثناء التنقل في بداية رحلته، لكن الاستماع لا يغني عن الحفظ والمراجعة والتلقي الصحيح من المعلم.
ما أهمية الصحبة في رحلة حفظ القرآن؟
الصحبة الصالحة يمكن أن تساعد الطالب على رفع همته والاستمرار؛ فوجوده وسط أشخاص يهتمون بالقرآن والعلم والتفوق يجعله أكثر تحفيزًا على تطوير نفسه.
ما الفرق بين حفظ القرآن والإجازة القرآنية؟
حفظ القرآن يعني إتمام حفظ كتاب الله وضبطه بالمراجعة، بينما الإجازة القرآنية مرحلة علمية مرتبطة بالتلقي والاختبار والإتقان على يد شيخ مجاز، وفق الطريقة المعتمدة في الإجازة.
هل يمكن دراسة القراءات بعد حفظ القرآن؟
نعم، يمكن لطالب القرآن بعد إتقان الحفظ والتلاوة والتجويد أن يتدرج في دراسة القراءات، وفق قدرته وخطته التعليمية وتوجيه شيخه.
كيف أتخلص من المشتتات أثناء حفظ القرآن؟
من المفيد تحديد أوقات واضحة لاستخدام الهاتف ووسائل التواصل، وإبعاد المشتتات أثناء وقت الحفظ والمراجعة، وتحويل جزء من الوقت الضائع إلى وقت للاستماع أو المراجعة.
ابدأ رحلتك مع القرآن
إذا كنت ترغب في حفظ القرآن الكريم أو تحسين تلاوتك أو تعلم التجويد والقراءات على يد معلمين متخصصين، فإن البداية الصحيحة تساعدك على بناء رحلة أكثر ثباتًا وتنظيمًا.
في أكاديمية شفيع لعلوم القرآن الكريم يمكنك التعلم عن بُعد من خلال حلقات فردية تفاعلية تناسب الرجال والنساء والأطفال، مع معلمين مؤهلين، وخطط تساعد الطالب على حفظ القرآن وإتقان التلاوة والتدرج في علوم القرآن.
ابدأ رحلتك مع القرآن اليوم، واجعل الحفظ والإتقان جزءًا ثابتًا من حياتك.
ولمن يرغب في التعرّف بشكل أعمق على تفاصيل هذه الرحلة والاستفادة من التجربة والنصائح الواردة في الحوار، يمكنكم مشاهدة الحلقة كاملة من بودكاست شفيع عبر الفيديو التالي:



