قد يقرأ المسلم قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ثم يسمع قارئًا آخر يقرأها ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، فيتساءل: لماذا توجد أكثر من قراءة للآية نفسها؟ وهل يؤدي اختلاف القراءات إلى اختلاف المعنى؟
القراءات القرآنية ليست اجتهادات اخترعها القراء، وإنما هي أوجه في قراءة القرآن نُقلت بالرواية والتلقي، وقد يكون الاختلاف بينها في النطق والأداء دون تأثير في المعنى، وقد ينتج عنه تنوع في الدلالة يضيف معنى صحيحًا آخر دون تناقض.
في هذا المقال نتعرف على سبب تعدد القراءات القرآنية، وعلاقتها بالأحرف السبعة، وأنواع الاختلاف بينها، وأثر هذا التنوع في معاني الآيات وتفسيرها، مع أمثلة توضيحية.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
ما سبب تعدد قراءات القرآن الكريم؟
يرتبط تعدد القراءات القرآنية بما ثبت في السنة من نزول القرآن على سبعة أحرف، وهو من مظاهر التيسير في قراءة القرآن.
وقد اختلف العلماء في تحديد المقصود بالأحرف السبعة على أقوال متعددة، لذلك لا يصح الجزم بأنها تعني سبع لهجات عربية فقط، كما أن الأحرف السبعة ليست هي القراءات السبع المشهورة.
وقد تلقى الصحابة القرآن من النبي ﷺ بأوجه القراءة التي أقرأهم بها، ثم نقلها الصحابة إلى التابعين، وأخذها أئمة القراءة عن شيوخهم حتى دون العلماء القراءات وطرقها وأسانيدها.
هل الأحرف السبعة هي القراءات السبع؟
لا، الأحرف السبعة والقراءات السبع مصطلحان مختلفان.
فالأحرف السبعة وردت في الأحاديث النبوية المتعلقة بنزول القرآن، أما اشتهار «القراءات السبع» فجاء في مرحلة لاحقة عندما جمع ابن مجاهد قراءات سبعة من أئمة القراءة المشهورين.
ولذلك لا تعني كل قراءة من القراءات السبع حرفًا واحدًا من الأحرف السبعة.
فهل تعدد قراءات القرآن الكريم، يُغير المعنى؟ تعرف على الإجابة بالتفصيل في الفقرة القادمة!
هل تعدد قراءات القرآن الكريم يُغير المعنى؟
قد يترتب على اختلاف القراءات تنوع في المعنى والدلالة، لكن ذلك لا يعني وجود تناقض بين القراءات الصحيحة.
فبعض القراءات يختلف فيها اللفظ أو الأداء مع بقاء المعنى واحدًا أو متقاربًا، وفي مواضع أخرى تضيف القراءة معنى صحيحًا يكمل المعنى الذي تدل عليه قراءة أخرى.
ولهذا يعبّر العلماء عن اختلاف القراءات بأنه اختلاف تنوع وتغاير، لا اختلاف تضاد وتناقض.
ومن هنا فإن الأدق ألا نقول إن القراءات «لا تغير المعنى مطلقًا»، بل نقول: قد تتنوع الدلالة باختلاف القراءة، لكن المعاني الصحيحة لا تتناقض، وقد تكشف كل قراءة جانبًا من معنى الآية.
وفي الفقرة القادمة، سوف نستعرض لكم بعض الأمثلة التي تبرهن ذلك؛ فتابعوا معنا!
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
أمثلة من تعدد القراءات
المثال الأول
قال الله تعالى، في سورة الإسراء- الآية 13: “وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا”. صدق الله العظيم.
* فقد تقرأ: وَنُخْرِجُ بضم النون وكسر الراء، ونقرأ يَلْقَاهُ بفتح الياء والقاف مخففة. والمعنى هنا: ونحن نخرج للإنسان يوم القيامة كتابًا هو صحيفة عمله، يصل إليه حال كونه مفتوحًا، فيأخذه بيمينه إن كان سعيدًا أو بشماله إن كان شقيًا.
* وقد تقرأ: يُلَقَّاه مَنْشُورًا بضم الياء وتشديد القاف. والمعنى هنا: ونحن نخرج للإنسان يوم القيامة كتابًا هو صحيفة عمله، يعطى الإنسان ذلك الكتاب حال كونه مفتوحًا.
فمعنى كل من القراءتين يتفق في النهاية مع الآخر؛ فإن من يلقى إليه الكتاب فقد وصل إليه ومن وصل إليه الكتاب فقد ألقى إليه.
المثال الثاني
قال الله تعالى، في سورة البقرة- الآية 10: “فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِييمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ”. صدق الله العظيم.
* فقد تقرأ: يَكْذِبُونَ بفتح الياء وسكون الكاف وكسر الذال. والمعنى هنا: يخبرون بالأخبار الكاذبة عن الله والمؤمنين.
* وقد تقرأ: يُكَذِّبُونَ بضم الياء وفتح الكاف وتشديد الذال المكسورة. والمعنى هنا: يكذبون الرسل فيما جاءوا به من عند الله من الوحي.
فمعنى كل من القراءتين لا يعارض الآخر ولا يناقضه بل كل منهما ذكر وصفًا من أوصاف المنافقين، وصفتهم الأولى بالكذب في الخبر عن الله ورسله وعن الناس، ووصفتهم الثانية بتكذيبهم رسل الله فيما أوحي إليهم من التشريع وكل حق فإن المنافقين جمعوا بين الكذب والتكذيب.
المثال الثالث
﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ و﴿فَتَثَبَّتُوا﴾
وردت القراءة في موضع من القرآن بـ**«فتبينوا»** وقراءة أخرى بـ**«فتثبتوا»**، فتدل إحداهما على طلب التبين والتحقق، وتدل الأخرى على التثبت وعدم العجلة.
والمعنيان متكاملان؛ لأن التثبت يقود إلى التبين، وليس بينهما تضاد.
هل القراءات من اجتهاد القراء؟
لا تُنسب القراءة إلى الإمام نافع أو عاصم أو ابن كثير بمعنى أنه أنشأها أو اخترعها من عنده، وإنما اشتهر الإمام بقراءة تلقاها وأقرأ بها، فنُسبت إليه من جهة ملازمته لها ونقلها وتعليمها.
ولهذا يقوم علم القراءات على الرواية والتلقي والإسناد، وليس على اختيار القارئ لكيفية نطق الكلمات من تلقاء نفسه.
ما الفرق بين القراءة والرواية والطريق؟
القراءة: ما نُسب إلى إمام من أئمة القراءة، مثل قراءة عاصم.
الرواية: ما نُسب إلى الراوي عن الإمام، مثل رواية حفص عن عاصم.
الطريق: ما نُسب إلى من أخذ عن الراوي أو عمن بعده في سلسلة النقل.
ولذلك فقولنا حفص عن عاصم يعني أن حفصًا راوٍ لقراءة الإمام عاصم، وليس إمام قراءة مستقلًا عنه.
هل كل قراءة منقولة تعد قراءة صحيحة؟
ليس كل ما نُقل أو نُسب إلى قارئ يأخذ حكم القراءات المقبولة التي يُقرأ بها؛ فقد وضع علماء القراءات ضوابط لقبول القراءة.
ومن أشهر ما قرره ابن الجزري: صحة السند، وموافقة وجه من وجوه العربية، وموافقة رسم أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا.
ما فوائد تعدد القراءات القرآنية؟
- التيسير الذي ارتبط بنزول القرآن على الأحرف السبعة.
- إظهار سعة اللغة والأداء القرآني.
- إثراء معاني بعض الآيات.
- مساعدة المفسر على فهم جوانب متعددة من الدلالة.
- بيان أن اختلاف القراءة قد يؤدي وظيفة تفسيرية وبيانية.
أسئلة شائعة عن تعدد القراءات القرآنية
لماذا توجد قراءات مختلفة للقرآن؟
ترتبط القراءات بما تلقاه الصحابة من النبي ﷺ من أوجه القراءة، ثم نقلت بالتلقي والرواية عبر أجيال القراء، وترتبط تاريخيًا بمسألة نزول القرآن على سبعة أحرف.
هل القراءات السبع هي الأحرف السبعة؟
لا. الأحرف السبعة والقراءات السبع مصطلحان مختلفان، والقراءات السبع اشتهرت بعد جمع ابن مجاهد قراءات سبعة من أئمة القراءة.
هل اختلاف القراءات يعني اختلاف القرآن؟
لا؛ فالقراءات الصحيحة المنقولة ليست نصوصًا متناقضة، وإنما أوجه قراءة ثابتة، واختلافها من اختلاف التنوع لا التضاد.
هل يتغير المعنى باختلاف القراءة؟
قد لا يتأثر المعنى في بعض المواضع، وقد تتنوع الدلالة في مواضع أخرى، بحيث تضيف كل قراءة معنى صحيحًا لا يناقض القراءة الأخرى.
هل القراء هم الذين اخترعوا القراءات؟
لا، وإنما نُسبت القراءات إلى أئمتها لاشتهارهم بها وتلقيهم لها وإقرائهم بها.
ما الفرق بين قراءة عاصم ورواية حفص؟
عاصم إمام قراءة، أما حفص فهو أحد الرواة الذين نقلوا قراءة عاصم.
هل القراءات العشر كلها متشابهة في النطق؟
لا؛ توجد اختلافات في بعض أوجه الأداء والكلمات، وبعض هذه الاختلافات لا يؤثر في المعنى، بينما يكون لبعضها أثر دلالي.
تعدد القراءات القرآنية لا يعني وجود نسخ متعارضة من القرآن، كما أن القراءات ليست اجتهادات أنشأها القراء من عند أنفسهم، وإنما تقوم على التلقي والرواية.
وقد يكون الاختلاف بين القراءات في الأداء أو اللفظ دون أثر جوهري في المعنى، وقد يترتب عليه تنوع في الدلالة يضيف معنى صحيحًا آخر، لكن دون تناقض بين القراءات المقبولة.
ولهذا فإن دراسة القراءات لا تكشف فقط عن تنوع أوجه الأداء، بل تساعد كذلك على فهم جانب من ثراء الدلالة القرآنية وصلتها بعلم التفسير.
تريد أن تتعلم القرآن الكريم بالتجويد وتحصل على إجازة بالسند المتصل؟
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
تعلم علم القراءات مع أكاديمية شفيع
علم القراءات لا يقوم على معرفة الفروق بين الألفاظ من الكتب فقط، بل يعتمد على التلقي وضبط الأداء ومعرفة القراءة والرواية والطريق.
وإذا كنت ترغب في دراسة التجويد أو القراءات بصورة منهجية، توفر أكاديمية شفيع برامج تعليم القرآن والقراءات عن بعد مع معلمين متخصصين، وفق مستوى الطالب والمسار الذي يرغب في دراسته.
احجز حلقة تجريبية مجانًا الآن!



