الشيخ أحمد محمد غنيم: رحلة مع القرآن والقراءات العشر وعلوم المصحف

علم القراءات ليس مجرد معرفة أوجه مختلفة لنطق بعض كلمات القرآن الكريم، وإنما هو علم قائم على التلقي والمشافهة والإسناد والضبط، وترتبط به علوم أخرى لا غنى للقارئ عنها، مثل الوقف والابتداء والرسم العثماني وضبط الأداء.

وفي حلقة من بودكاست شفيع، استضاف البرنامج الشيخ القارئ أحمد محمد غنيم، المقرئ بالقراءات العشر الصغرى والكبرى، للحديث عن رحلته مع القرآن الكريم، وكيف بدأ طلب العلم منذ الصغر، وما تعلمه من العلماء، إلى جانب شرح عدد من المفاهيم المهمة في علم القراءات وعلوم القرآن.

وتقدم الحلقة رحلة تجمع بين التجربة الشخصية والعلم المتخصص؛ فمن الحديث عن الأدب مع العلماء والصبر في طلب العلم، تنتقل إلى الأحرف السبعة والقراءات والروايات والطرق، ثم إلى أركان القراءة الصحيحة والوقف والابتداء والرسم العثماني.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

من هو الشيخ أحمد محمد غنيم؟

عرّف الشيخ نفسه في الحلقة بأنه أحمد بن محمد بن محمد غنيم المصري الشافعي من مدينة كفر الزيات بمحافظة الغربية، وأنه قارئ ومقرئ بالقراءات العشر الصغرى والكبرى، وله عناية بمتون القراءات والحديث والفقه واللغة.

كما تحدث عن تلقيه العلم عن عدد كبير من المشايخ، وعن حصوله على عضوية قارئ في النقابة العامة لمحفظي القرآن الكريم والقراء في مصر، إلى جانب عضويته في الاتحاد العالمي للمسندين.

لكن رحلته مع القرآن لم تبدأ من المؤسسات أو الشهادات، وإنما بدأت في سن مبكرة للغاية.

كيف بدأت رحلة الشيخ أحمد غنيم مع القرآن؟

يروي الشيخ أن والدته كان لها دور مهم في بداية علاقته بالقرآن؛ إذ طلبت من أحد جيرانهم، وكان مؤذنًا بمسجد الست زكية، أن يصطحبه معه إلى الكُتّاب حتى يتعلم القرآن ويحفظه.

ومن هنا بدأت الرحلة.

تعلق الطفل بالقرآن واستمر في الحفظ والتعلم، ثم التقى في محيط المسجد بعدد من أهل القرآن، ومن بينهم الشيخ محمد عبد العزيز حصان، الذي أشار إليه في الحلقة بوصفه من أهل العلم بالوقف والابتداء.

ومع مرور السنوات انتقل الشيخ من مرحلة الحفظ إلى الدراسة المنظمة، فالتحق بمعهد تابع لوزارة الأوقاف لدراسة الإمامة والخطابة لمدة أربع سنوات، ودرس خلال هذه الفترة المذاهب الفقهية والعلوم الشرعية والتفسير واللغة، ثم التحق بعد ذلك بمعهد القراءات واجتاز اختبار القبول فيه.

وهنا تظهر واحدة من أهم الرسائل التي تكررت خلال الحلقة: الوصول إلى العلم يحتاج إلى رحلة طويلة من التلقي والصبر والتدرج، وليس إلى استعجال النتائج.

الأدب قبل الطلب.. قاعدة أساسية لطالب العلم

من أبرز الأفكار التي أكد عليها الشيخ خلال حديثه عبارة:

الأدب قبل الطلب“.

فطالب العلم لا يحتاج إلى حفظ المتون وتحصيل الإجازات فقط، وإنما يحتاج أولًا إلى تعلم كيفية التعامل مع شيخه ومع العلم نفسه.

وأشار الشيخ إلى أن بعض طلاب العلم قد يستعجلون النتائج أو يسيئون الظن بشيوخهم؛ فإذا اعتذر الشيخ عن القراءة في موعد معين، قد يعتقد الطالب أنه لا يريد تعليمه، بينما ربما يكون للشيخ عذر لا يعرفه الطالب.

لذلك يدخل في أدب طالب العلم أن يلتمس العذر لمعلمه، وألا يرفع صوته عليه، وألا يلح عليه إذا رفض أمرًا، وأن يدرك أن الشيخ قد يرى أن الطالب يحتاج إلى مزيد من الإتقان قبل الانتقال إلى مرحلة أخرى.

وفي المقابل، أكد الشيخ قيمة عدم كتمان العلم، وأن ما ينفع الناس ينبغي أن يُبلَّغ وألا يحتكره صاحبه لنفسه. وقد ربط حديثه عن العلماء بالتواضع وحسن الخلق والرحمة بالمتعلمين.

الصبر في طلب العلم ليس أمرًا اختياريًا

رحلة الشيخ أحمد غنيم تقدم نموذجًا عمليًا للصبر الذي يحتاج إليه طالب العلم.

فقد ذكر أنه كان يسافر إلى بعض مشايخه باستخدام ثلاث وسائل مواصلات، وينتظر أحيانًا من بعد صلاة الظهر إلى قرب المغرب للقراءة والتحقيق والنظر في الشاطبية والأصول والفرشيات، وفي مراحل أخرى كان يستمر في القراءة على شيخه إلى ساعات متأخرة من الليل.

وعندما سُئل عن الدافع الذي جعله يتحمل هذه المشقة، تحدث عن الخوف من الله ووضوح الهدف.

وهذه نقطة مهمة لكل طالب علم: قبل أن تبدأ طريقك، اسأل نفسك لماذا تتعلم؟

فمن يتعلم القراءات أو يحفظ المتون لمجرد الوصول إلى لقب أو إجازة قد يفقد الدافع سريعًا، أما وجود غاية واضحة فيجعل تحمل مشقة الطريق أكثر معنى.

وفي نهاية الحلقة عاد الشيخ إلى الفكرة نفسها مؤكدًا ضرورة أن يعرف طالب القراءات لماذا يتعلم ولماذا يستزيد من الروايات، وأن يكون من مقاصده التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

ما المقصود بالأحرف السبعة؟ وهل هي القراءات السبع؟

من النقاط المهمة التي تناولتها الحلقة التفريق بين الأحرف السبعة والقراءات السبع؛ فهما ليسا مصطلحًا واحدًا.

شرح الشيخ حديث نزول القرآن على سبعة أحرف، ثم أوضح أن القراءات السبع المشهورة ليست هي نفسها الأحرف السبعة، وأن العلماء اختلفوا في تفسير المقصود بالأحرف.

كما أكد قاعدة مهمة لفهم اختلاف القراءات، وهي أن الاختلاف بينها اختلاف تنوع لا اختلاف تناقض.

ومن الأمثلة التي تناولتها الحلقة قراءة:

مَلِك يوم الدين” و**”مالك يوم الدين“.**

فالمعنيان لا يتناقضان، وإنما يضيف اختلاف القراءة دلالة صحيحة لا تهدم الدلالة الأخرى، وهو نموذج يساعد المبتدئ على فهم معنى التنوع في القراءات.

ما الفرق بين القراءة والرواية والطريق؟

من أكثر الأسئلة التي يحتاج المبتدئ في علم القراءات إلى فهمها: ما الفرق بين القراءة والرواية والطريق؟

القراءة

هي ما نُسب إلى القارئ واشتهر به، مثل قراءة نافع المدني.

الرواية

هي ما نُسب إلى الراوي عن القارئ، ومن أشهر الأمثلة رواية قالون عن نافع ورواية ورش عن نافع.

الطريق

هو ما نُسب إلى من أخذ عن الراوي، وضرب الشيخ مثالًا بـ طريق ابن نشيط عن قالون عن نافع.

وفهم هذا التسلسل يساعد طالب القراءات على استيعاب طبيعة الأسانيد والطرق التي نُقلت بها القراءات، بدل التعامل مع أسماء القراء والرواة باعتبارها مصطلحات منفصلة لا رابط بينها.

ما الفرق بين القراءات العشر الصغرى والكبرى؟

تناولت الحلقة كذلك الفرق بين القراءات العشر الصغرى والقراءات العشر الكبرى، مع الحديث عن دور الإمامين الشاطبي وابن الجزري.

فقد تحدث الشيخ عن منظومة حرز الأماني ووجه التهاني للإمام الشاطبي في القراءات السبع، ثم عن القراءات الثلاث المتممة للعشر وما نظمه الإمام ابن الجزري في الدرة المضية.

ومن هنا تتكون القراءات العشر الصغرى.

ثم تناولت الحلقة كتاب النشر في القراءات العشر للإمام ابن الجزري، وما جمعه فيه من طرق وأسانيد وما تلقاه عن مشايخه، مع التأكيد على ضرورة التفريق بين كتاب النشر ومنظومة طيبة النشر.

وتتسع الطرق في القراءات العشر الكبرى بصورة كبيرة مقارنة بالصغرى، وهو ما يوضح مدى دقة هذا العلم واتساع شبكة النقل والإسناد فيه.

ما أركان القراءة الصحيحة؟

بحسب ما شرحه الشيخ في الحلقة، تقوم القراءة الصحيحة على ثلاثة أركان أساسية:

  1. موافقة وجه من وجوه اللغة العربية.
  2. موافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا.
  3. صحة واتصال السند.

وتساعد هذه الأركان على فهم أن علم القراءات لا يقوم على اختيار أوجه النطق بحسب الرأي الشخصي، بل على منظومة من النقل والضبط والتلقي.

ومن هنا تأتي أهمية الإسناد والمشافهة؛ فالقرآن لم ينتقل باعتباره نصًا مكتوبًا فقط، وإنما انتقل كذلك بالأداء والتلقي من الشيخ إلى الطالب.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

لماذا تعد المشافهة مهمة في تعلم القرآن والقراءات؟

يمكن للكتب أن تشرح القاعدة، ويمكن للمتون أن تساعد الطالب على حفظها، لكن هناك جوانب من الأداء لا يكفي فيها النص المكتوب.

ولهذا أكدت الحلقة أهمية المشافهة والنطق الصحيح، وربطت ذلك بعلم الأصوات؛ لأن تغير الأداء قد يؤدي إلى تغير المسموع أو المعنى المقصود.

وهذه نقطة شديدة الأهمية في عصر التعلم الرقمي: توفر الكتب والفيديوهات والمحتوى التعليمي لا يلغي الحاجة إلى شيخ متقن يسمع قراءة الطالب ويصحح أداءه، خاصة لمن يريد الانتقال من مجرد القراءة إلى الإتقان أو دراسة القراءات.

علم الوقف والابتداء.. لماذا يمكن أن يتغير المعنى بسبب الوقف؟

الوقف والابتداء ليسا مجرد تحديد الأماكن التي يأخذ فيها القارئ نَفَسًا أثناء التلاوة.

فالوقوف في المكان غير المناسب قد يؤدي إلى إيهام معنى غير صحيح.

وضرب الشيخ مثالًا بقول الله تعالى:

“فاعلم أنه لا إله إلا الله”.

فلا يصح أن يقف القارئ على “لا إله”؛ لأن الوقف هنا يقطع الكلام قبل تمام المعنى.

وأكد الشيخ أن القارئ يحتاج إلى معرفة كيف يبدأ وكيف يقف حتى يصل المعنى إلى السامع على الوجه الصحيح، وتحدث عن أنواع من الوقف مثل الوقف الكافي والحسن والقبيح.

ولهذا يمكن القول إن تعلم التجويد لا يكتمل بمجرد ضبط مخارج الحروف وصفاتها؛ بل يحتاج القارئ أيضًا إلى فهم مواضع الوقف والابتداء.

ما هو الرسم العثماني؟

الرسم العثماني هو الطريقة التي كُتبت بها كلمات المصحف وفق الرسم الذي استقرت عليه المصاحف العثمانية.

وتناولت الحلقة قصة جمع القرآن وانتقال المصحف، ثم ما وقع في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه من اختلاف بين الناس في القراءة، وما ترتب عليه من توحيد المصاحف وإرسالها إلى الأمصار لإنهاء الخلاف.

كما ناقشت الحلقة مسألة: هل الرسم العثماني توقيفي أم توفيقي؟

وأوضح الشيخ أن المسألة محل كلام بين العلماء وتوجد فيها آراء متعددة، ثم ذكر أن القول الذي يتبناه هو القول بالتوقيف حفاظًا على قدسية رسم القرآن، مع الإقرار بوجود آراء أخرى في المسألة.

وهذه الدقة مهمة عند تناول المسائل العلمية؛ لأن وجود أكثر من قول معتبر يستلزم عدم تقديم المسألة للقارئ وكأنها محل اتفاق إذا لم تكن كذلك.

ماذا يتعلم طالب القرآن من رحلة الشيخ أحمد غنيم؟

ربما تكون أهم رسالة في الحلقة أن تعلم القرآن ليس سباقًا للحصول على الإجازات والألقاب.

فالشيخ يتحدث عن سنوات من الحفظ والدراسة، والانتقال بين المعاهد والمشايخ، والسفر والانتظار، وقراءة المتون، وضبط الأسانيد، والتعلم بالمشافهة.

وفي الوقت نفسه، لا يفصل العلم عن الأخلاق.

التواضع، والصبر، وحسن الظن بالشيخ، وعدم كتمان العلم، وإخلاص القصد، ومعرفة الهدف من التعلم؛ كلها عناصر تظهر في حديثه باعتبارها جزءًا من تكوين طالب القرآن، لا إضافات جانبية على مسيرته.

وهذا يلخص عبارة “الأدب قبل الطلب“؛ فالقضية ليست مقدار ما يحفظه الطالب فقط، وإنما ما يصنعه العلم في صاحبه.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

أسئلة شائعة عن القراءات العشر وعلوم القرآن

هل الأحرف السبعة هي القراءات السبع؟

لا. الأحرف السبعة والقراءات السبع مصطلحان مختلفان، وقد أكد الشيخ في الحلقة أن القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة.

ما الفرق بين القراءة والرواية؟

القراءة تُنسب إلى القارئ، مثل قراءة نافع، بينما الرواية تُنسب إلى الراوي الذي نقل عن القارئ، مثل رواية ورش عن نافع.

ما أركان القراءة الصحيحة؟

ذكر الشيخ ثلاثة أركان: موافقة وجه من وجوه العربية، وموافقة الرسم العثماني ولو احتمالًا، واتصال السند.

لماذا يجب تعلم الوقف والابتداء؟

لأن الوقف في غير موضعه أو الابتداء من موضع غير مناسب قد يؤدي إلى تغيير المعنى أو إيهام السامع بمعنى غير مراد.

هل يمكن تعلم القراءات من الكتب فقط؟

الكتب والمتون مهمة لفهم القواعد، لكن الحلقة تؤكد أهمية التلقي والمشافهة عن أهل الاختصاص لضبط النطق والأداء والإسناد.

ما الفرق بين العشر الصغرى والعشر الكبرى؟

ترتبط العشر الصغرى بمسار الشاطبية والدرة، بينما تتسع طرق العشر الكبرى من خلال ما جمعه الإمام ابن الجزري في كتاب النشر ونظمه في طيبة النشر.

خلاصة رحلة تجمع بين العلم والأدب

تكشف رحلة الشيخ أحمد محمد غنيم أن الوصول إلى الإتقان في القرآن والقراءات لا يحدث في أيام أو أسابيع، وإنما هو بناء طويل يبدأ بحفظ القرآن والتلقي، ويمر بدراسة التجويد والمتون والقراءات والوقف والابتداء والرسم، ويظل مرتبطًا بالمشافهة والإسناد إلى أهل العلم.

لكن الجانب العلمي ليس وحده ما يصنع طالب القرآن.

فكلما تقدم الطالب في العلم، زادت حاجته إلى الإخلاص والتواضع والصبر والأدب وحسن الخلق ومعرفة الغاية التي يطلب العلم من أجلها.

ولهذا تبقى الرسالة الأبرز من الحلقة: لا تجعل غايتك أن تصل إلى لقب أو إجازة فحسب، بل اجعل العلم طريقًا إلى الإتقان والعمل والتقرب إلى الله.

ولمن يريد الاستماع إلى التفاصيل كاملة، وسماع شرح الشيخ أحمد محمد غنيم للأحرف والقراءات والطرق والوقف والابتداء والرسم العثماني، يمكنكم مشاهدة الحلقة كاملة من بودكاست شفيع عبر الرابط التالي:

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *