رحلة الدكتور محمود مصطفى عفش مع القرآن والقراءات العشر | من الحفظ إلى الإقراء

مقدمة

تمثل رحلة أهل القرآن نموذجًا ملهمًا لكل من يسعى إلى حفظ كتاب الله وتعلم قراءاته وعلومه، فهي ليست رحلة حفظ وتلقين فحسب، بل طريق يجمع بين العلم والعمل والأخلاق والتربية والإخلاص. ومن بين هذه الرحلات تأتي مسيرة الدكتور محمود مصطفى عفش، مدرس القراءات وعلومها بكلية القرآن الكريم بطنطا بجامعة الأزهر الشريف، والجامع للقراءات العشر الصغرى والكبرى، والمحكم في عدد من مسابقات القرآن الكريم.

وفي حلقة مميزة من بودكاست شفيع، تحدث الدكتور محمود مصطفى عفش عن رحلته مع القرآن الكريم منذ الطفولة، ودور الأسرة والمشايخ في تكوينه العلمي، ثم انتقاله إلى معهد القراءات وكلية القرآن الكريم، وصولًا إلى الدراسات العليا والإجازات في القراءات العشر. كما تناول الحوار عددًا من القضايا المهمة، مثل المتشابهات اللفظية، والتلقي والمشافهة، وعلاقة القراءات بالتفسير واللغة والفقه، وأهمية علم الوقف والابتداء.

وتكشف هذه الرحلة عن حقيقة مهمة: أن الوصول إلى الإتقان في علوم القرآن يحتاج إلى صبر ومداومة وصحبة صالحة وشيخ متقن، إلى جانب التربية والسلوك الحسن.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

بداية رحلة الدكتور محمود مصطفى عفش مع القرآن الكريم

بدأت علاقة الدكتور محمود مصطفى عفش بالقرآن الكريم منذ مرحلة الطفولة، حيث حفظ كتاب الله في سن مبكرة، ولم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره. ويربط الدكتور هذه البداية بفضل الله سبحانه وتعالى أولًا، ثم بجهود والديه وحرص الأسرة على أن يكون القرآن حاضرًا في حياته منذ الصغر.

وكان للأسرة دور واضح في توجيهه نحو طريق القرآن؛ إذ أصر والده على إلحاقه بمعهد القراءات بعد حفظه للقرآن، فانتقل إلى معهد قراءات دمنهور، ومكث فيه ثماني سنوات، وهي مرحلة كان لها أثر كبير في تكوينه العلمي وتلقيه عن عدد من شيوخ القراءات.

ويؤكد الدكتور أن الأسرة تمثل عاملًا أساسيًا في رحلة الأبناء مع القرآن، خاصة عندما توفر لهم البيئة التي تساعدهم على الحفظ والمراجعة والاستمرار في طلب العلم.

من معهد القراءات إلى كلية القرآن الكريم

بعد إتمام الدراسة في معهد القراءات، انتقل الدكتور محمود مصطفى عفش إلى كلية القرآن الكريم بطنطا، ليواصل رحلته الأكاديمية في علوم القرآن والقراءات.

وقد تميز خلال دراسته الجامعية، حتى تخرج بترتيب متقدم، ثم عُيّن في الكلية، وتدرج في مساره الأكاديمي من معيد إلى مدرس في كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بطنطا.

وهكذا لم تتوقف رحلة الدكتور عند حدود حفظ القرآن أو دراسة القراءات، وإنما انتقلت إلى مجال البحث الأكاديمي والتدريس وخدمة طلاب العلم، وهو ما يعكس أهمية الجمع بين الحفظ والتخصص العلمي.

الماجستير والدكتوراه في علوم القرآن والقراءات

واصل الدكتور محمود مصطفى عفش مسيرته العلمية في الدراسات العليا، فحصل على درجة الماجستير في موضوع يتعلق بـ جهود العلماء في علم ضبط المصحف الشريف، وهي دراسة تحليلية نقدية، وقد أشار خلال الحلقة إلى أن الرسالة طُبعت ونُشرت.

ثم جاءت مرحلة الدكتوراه، التي تناولت موضوع أسرار تنوع القراءات، وهو موضوع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفهم وجوه القراءات القرآنية ودلالاتها اللغوية والسياقية.

وأوضح الدكتور أن دراسة تنوع القراءات لا تقتصر على إثبات نسبة القراءة، بل تمتد إلى تحليلها من عدة مستويات، تبدأ بتوثيق القراءة ونسبتها، ثم توجيهها، ودراستها من الناحية اللغوية والنحوية، وربطها بسياق السورة ثم بالسياق العام للقرآن الكريم.

وتكشف هذه المنهجية عن مدى اتساع علم القراءات، فهو علم يرتبط باللغة والتفسير والدلالة والسياق، ولا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد اختلاف في طريقة النطق أو الأداء.

الإجازات والقراءات العشر وأثر المشايخ

تحدث الدكتور محمود مصطفى عفش عن عدد من العلماء والمشايخ الذين تلقى عنهم القرآن والقراءات، مؤكدًا أن لكل شيخ أثرًا وبصمة في مسيرته العلمية والتربوية.

ومن أبرز مراحل هذه الرحلة أنه قرأ القرآن الكريم على الشيخ محمد الوكيل، وحصل على ختمة كاملة برواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية. ثم انتقل إلى طلب الإجازة في القراءات العشر الصغرى، وذكر حصوله على إجازات من عدد من الشيوخ، كما حصل على إجازة في القراءات العشر الكبرى على يد الشيخ محمد مصطفى إبراهيم الوكيل.

لكن الدكتور لا ينظر إلى الشيخ باعتباره مصدرًا للمعلومة العلمية فقط، بل يرى أن أثر الشيخ يمتد إلى التربية والسلوك والأخلاق. ولذلك يؤكد أن معلم القرآن ينبغي أن يكون مربيًا قبل أن يكون معلمًا.

وهذه الفكرة من أبرز الرسائل التي تكررت في الحلقة؛ لأن الطالب لا يتعلم من شيخه التلاوة والقراءات فقط، وإنما يتعلم منه الأدب والجدية والانضباط وحسن التعامل.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

القرآن بين الإتقان والسلوك والأخلاق

من أهم الأفكار التي طرحها الدكتور محمود مصطفى عفش أن حفظ القرآن لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن السلوك والأخلاق.

فمعلم القرآن، في نظره، مسؤول عن متابعة الطالب وتوجيهه، وليس مجرد شخص يستمع إلى محفوظ الطالب ويصحح أخطاءه. بل ينبغي أن يهتم بصلاة الطالب، وعلاقته بوالديه، وورده من القرآن، وسلوكه العام.

وهنا تظهر التربية القرآنية بمعناها الأوسع؛ فالهدف من حفظ القرآن ليس جمع الصفحات في الذاكرة فقط، وإنما أن ينعكس القرآن على أخلاق حامله وسلوكه وحياته اليومية.

ولهذا يربط الدكتور بين الإتقان والسلوك والأخلاق والتزكية، ويرى أنها جوانب متكاملة في شخصية حامل القرآن.

المتشابهات اللفظية في القرآن الكريم

تناولت الحلقة أيضًا موضوعًا مهمًا جدًا لطلاب القرآن، وهو المتشابهات اللفظية.

ويعرض الدكتور تجربة شخصية استفاد منها خلال دراسته، حيث قام بجمع المواضع المتشابهة في القرآن الكريم وتصنيفها بنفسه، مثل الآيات التي تتكرر بصيغ متقاربة، ثم حاول تثبيتها واستيعاب الفروق بينها.

ويرى أن استخراج الطالب للمتشابهات بنفسه يساعد على تثبيتها في ذهنه أكثر من الاعتماد على حفظ قوائم جاهزة فقط. فالكتب والمنظومات المتخصصة في المتشابهات يمكن أن تكون عوامل مساعدة، لكن الأصل هو أن يعمل الطالب على اكتشاف المواضع المتشابهة وربطها ببعضها.

وهذه الطريقة يمكن أن تكون نافعة جدًا لحفاظ القرآن، خصوصًا لمن يعاني من الخلط بين الآيات المتقاربة في اللفظ.

لماذا يحتاج علم القراءات إلى المشافهة؟

من الخصائص الأساسية في تعلم القرآن والقراءات التلقي والمشافهة؛ إذ لا يكفي أن يقرأ الطالب من المصحف أو يعتمد على الكتب وحدها.

وأوضح الدكتور أن هناك مسائل أدائية لا يمكن ضبطها بصورة كاملة إلا بالتلقي من أفواه المشايخ، ومن ذلك بعض الأوجه المتعلقة بالنطق والأداء، مثل الروم والإشمام وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى السماع والتطبيق المباشر.

ومن هنا تأتي أهمية الشيخ المتقن؛ فالقرآن يُتلقى أداءً كما يُتلقى علمًا، والطالب يحتاج إلى من يصحح له نطقه ويضبط قراءته ويلاحظ تفاصيل الأداء التي قد لا يستطيع اكتشافها بنفسه.

علاقة القراءات بالعلوم الإسلامية

أكد الدكتور محمود مصطفى عفش أن علم القراءات يرتبط بعدد كبير من العلوم الإسلامية والعربية، ومنها التفسير، والنحو، والصرف، والبلاغة، والأصوات، والفقه، والرسم العثماني.

فالقراءة القرآنية قد تكشف معنى إضافيًا أو دلالة مختلفة، كما أن بعض أوجه القراءات لها صلة بالمسائل اللغوية والتفسيرية والفقهية.

وهذا يؤكد أن دراسة القراءات العشر ليست دراسة منفصلة عن بقية علوم القرآن، بل هي باب واسع يفتح أمام الطالب أبوابًا متعددة لفهم النص القرآني ودلالاته.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

أهمية علم الوقف والابتداء

من أبرز محاور الحلقة الحديث عن علم الوقف والابتداء، وهو من العلوم المهمة لقارئ القرآن، وليس فقط للمتخصص في القراءات.

ويرى الدكتور أن فهم مواضع الوقف والابتداء يساعد القارئ على فهم المعنى القرآني وتدبره، لأن الوقف في موضع غير مناسب قد يؤدي إلى إفساد المعنى أو إيهامه بصورة غير صحيحة.

وأشار إلى الأنواع الأربعة المشهورة للوقف: الوقف التام، والوقف الكافي، والوقف الحسن، والوقف القبيح.

ويحتاج الطالب في دراسة الوقف والابتداء إلى معرفة اللغة العربية والنحو والتفسير؛ لأن تحديد موضع الوقف يرتبط بالمعنى وبالعلاقات اللفظية والنحوية داخل الآية.

الرسم العثماني وعلاقته بالقراءات

ناقشت الحلقة كذلك العلاقة بين الرسم العثماني والقراءات القرآنية، حيث أوضح الدكتور أن المصاحف التي كُتبت في عهد عثمان رضي الله عنه كُتبت بطريقة تحتمل ما ورد من القراءات التي يحتملها الرسم.

كما تحدث عن قضية الأحرف السبعة، مبينًا أنها من المسائل التي اختلف العلماء في تفسيرها، وأن هناك أقوالًا متعددة حول حقيقتها، ثم عرض الرأي الذي يميل إليه في أن المصاحف العثمانية اشتملت على ما يحتمله رسمها من الأحرف.

وتناول كذلك قضية علامات ضبط المصحف، وكيف تطورت علامات الشكل والنقط عبر مراحل تاريخية، بدءًا من جهود أبي الأسود الدؤلي ثم نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر، وصولًا إلى جهود الخليل بن أحمد في تطوير علامات الضبط.

تحديات طالب القرآن في العصر الحديث

لم تغفل الحلقة عن التحديات التي تواجه طالب القرآن في العصر الحالي، وفي مقدمتها ضياع الوقت أمام الهواتف ومواقع التواصل والمحتوى الرقمي.

ويرى الدكتور أن هذه المشكلة لا تواجه الطالب وحده، بل تواجه الأسرة أيضًا، ولذلك يحتاج الوالدان إلى إدارة وقت أبنائهم ومساعدتهم على تقليل الملهيات التي قد تؤثر في مسيرة الحفظ والعلم.

كما أشار إلى أهمية الصحبة الصالحة، معتبرًا أن البيئة المحيطة بالطالب يمكن أن تساعده على الثبات أو تكون سببًا في إبعاده عن طريق القرآن.

ومع ذلك يؤكد أن القرآن ميسر لمن أقبل عليه بعزيمة صادقة ونية صحيحة، وأن الصعوبة لا ينبغي أن تكون سببًا في ترك الطريق.

نصائح الدكتور محمود مصطفى عفش لطلاب القرآن والقراءات

في ختام الحوار، قدم الدكتور مجموعة من النصائح المهمة لطلاب القرآن والقراءات، ويمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية:

  • الإخلاص: استحضار النية وأن طلب القرآن وتعليمه من أجل رضا الله سبحانه وتعالى.
  • التكرار والمداومة: مراجعة القرآن باستمرار حتى لا يتفلت الحفظ.
  • الورد اليومي: تخصيص ورد ثابت من القرآن والمحافظة عليه.
  • اختيار الشيخ المتقن: البحث عن شيخ موثوق في العلم والإقراء، وعدم الانشغال بكثرة الإجازات دون تحقق من ضبطها.
  • مراجعة المتون: طالب القراءات يحتاج إلى ورد ثابت في المتون، ومنها الشاطبية والدرة والطيبة.
  • التطبيق العملي: عدم الاكتفاء بدراسة القراءات نظريًا، بل تطبيق ما تعلمه الطالب في تلاوته.

وتُظهر هذه الوصايا أن طريق القراءات العشر يحتاج إلى منهج متكامل يجمع بين الحفظ والمراجعة والتلقي والتطبيق والتربية.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

ماذا نتعلم من رحلة الدكتور محمود مصطفى عفش؟

تقدم رحلة الدكتور محمود مصطفى عفش عددًا من الدروس المهمة لكل من يريد أن يبدأ طريق القرآن أو يواصل فيه.

  1. أول هذه الدروس أن الأسرة قد تكون نقطة البداية، كما أن وجود والدين حريصين على القرآن يمكن أن يصنع فارقًا كبيرًا في مستقبل الابن.
  2. والدرس الثاني هو أن حفظ القرآن ليس نهاية الرحلة، بل قد يكون بداية لمسار طويل من التعلم والتخصص والإجازة والإقراء.
  3. أما الدرس الثالث فهو أهمية الشيخ؛ فالتلقي الصحيح لا ينفصل عن المشافهة، والشيخ لا ينقل العلم فقط، وإنما ينقل معه المنهج والأدب والسلوك.
  4. والدرس الرابع أن علوم القرآن مترابطة؛ فالقراءات تتصل بالتفسير واللغة والفقه والرسم والوقف والابتداء، وكل علم منها يفتح بابًا جديدًا لفهم كتاب الله.

أسئلة شائعة حول الدكتور محمود مصطفى عفش والقراءات العشر

من هو الدكتور محمود مصطفى عفش؟

هو أستاذ ومدرس القراءات وعلومها بكلية القرآن الكريم بطنطا بجامعة الأزهر الشريف، وجامع للقراءات العشر الصغرى والكبرى، وشارك في تحكيم عدد من مسابقات القرآن الكريم.

متى حفظ الدكتور محمود مصطفى عفش القرآن؟

ذكر خلال الحلقة أنه حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وأتم حفظه قبل بلوغ الثالثة عشرة من عمره.

ما أهمية المشافهة في تعلم القراءات؟

المشافهة مهمة لضبط الأداء والنطق والوجوه القرائية التي لا يمكن إتقانها اعتمادًا على النظر في المصحف أو الكتب وحدها.

ما أهمية علم الوقف والابتداء؟

يساعد علم الوقف والابتداء على معرفة المواضع المناسبة للوقف والابتداء، وبالتالي فهم المعنى القرآني وتجنب الوقوف التي قد تؤدي إلى إفساد المعنى.

كيف يمكن إتقان المتشابهات اللفظية؟

وفق التجربة التي عرضها الدكتور، من الطرق المفيدة أن يقوم الطالب بنفسه باستخراج المواضع المتشابهة وتصنيفها وربطها ببعضها، مع الاستفادة من الكتب والمنظومات المتخصصة كوسائل مساعدة.

ما أهم نصيحة لطلاب القراءات؟

من أهم النصائح الإخلاص، والمراجعة المستمرة، والورد اليومي، واختيار شيخ متقن موثوق، ومراجعة المتون، وتطبيق ما يتعلمه الطالب عمليًا.

ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد

تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب

خاتمة

تكشف رحلة الدكتور محمود مصطفى عفش مع القرآن والقراءات العشر عن مسيرة بدأت بحفظ كتاب الله في سن مبكرة، ثم انتقلت إلى معهد القراءات، وكلية القرآن الكريم، والدراسات العليا، والإجازات في القراءات، وصولًا إلى التدريس وخدمة طلاب العلم.

والرسالة الأبرز التي يمكن الخروج بها من هذه الرحلة أن القرآن ليس حفظًا مجردًا، ولا القراءات معلومات نظرية فقط؛ بل هي علم يحتاج إلى إخلاص ومشافهة وإتقان ومراجعة وتربية وسلوك.

نسأل الله أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأن يرزق طلاب القرآن العلم النافع والعمل الصالح، وأن يبارك في أهل القرآن ومعلميهم ومشايخهم.

للاستماع إلى الحلقة كاملة ومشاهدة الحوار مع الدكتور محمود مصطفى عفش، يمكنكم متابعة الحلقة عبر بودكاست شفيع.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *