مقدمة
ليست كل رحلة مع القرآن الكريم تبدأ في سن مبكرة، ولا يشترط أن يكون الطريق إلى الإتقان سهلًا أو خاليًا من العقبات. أحيانًا تبدأ الرحلة بعد سنوات طويلة من الحياة، ثم تتحول مع الصبر والاجتهاد إلى مشروع علمي وتعليمي يمتد أثره إلى الآخرين.
وهذا ما تكشفه رحلة الشيخ فوقي محمد جواده مع القرآن والقراءات العشر؛ رحلة بدأت في ظروف صعبة في غزة، ثم انتقلت بين فلسطين ومصر وتونس، ومرّت بمراحل متعددة من تعلم التجويد وحفظ القرآن، ودراسة المتون، والحصول على السند، ثم التخصص في القراءات العشر الصغرى والكبرى.
وفي بودكاست شفيع، تحدث الشيخ فوقي محمد جواده عن تفاصيل هذه الرحلة، وعن دور شيوخه في تكوينه العلمي والتربوي، كما تناول قضية مهمة وهي: هل علم القراءات علم صعب ونخبوي، أم يمكن تبسيطه وتعليمه بطريقة معاصرة؟
كما أكد خلال الحوار أن الإجازة ليست هدفًا قائمًا بذاته، وأن العلم والفهم والإتقان أهم من مجرد الحصول على سند.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
من غزة إلى بداية رحلة القرآن
نشأ الشيخ فوقي محمد جواده في بيئة فلسطينية عانت ظروفًا صعبة أثرت في انتشار تعليم القرآن الكريم، كما أوضح أن الاهتمام بحفظ القرآن وتعليمه بدأ يتوسع بصورة أكبر مع انتشار حلقات التحفيظ والدورات المتخصصة في أحكام التلاوة والتجويد.
لكن المفارقة اللافتة في رحلته أن البداية الفعلية لتعلم القرآن جاءت في سن متقدمة، وهو ما يجعل قصته رسالة مهمة لكل من يظن أن العمر يمكن أن يكون عائقًا أمام طلب العلم.
فقد بدأ أولًا بدورات في أحكام التلاوة والتجويد، ثم انتقل إلى مرحلة الحفظ، ولم يتعامل مع حفظ القرآن باعتباره مجرد ترديد للنص، وإنما ربطه بالتطبيق الصحيح للأحكام وفهم ما يتعلمه.
ومن هنا ظهرت إحدى أهم القواعد التي أكدها خلال الحلقة: تعلم أحكام التلاوة والتجويد قبل الحفظ يساعد الطالب على قراءة القرآن بطريقة صحيحة، ويجنبه تثبيت الأخطاء منذ البداية.
التجويد والمتون قبل التوسع في القراءات
لم تكن رحلة الشيخ مع القرآن قائمة على الحفظ وحده، بل مرّت بمرحلة تأسيس علمي شملت دراسة أحكام التجويد وحفظ المتون، ومن أبرزها متن تحفة الأطفال والمقدمة الجزرية.
ويرى الشيخ أن المتون ليست مجرد نصوص ينبغي للطالب حفظها دون فهم، وإنما يمكن أن تتحول إلى أدوات ذهنية تساعده على استحضار الحكم عند قراءة الآية.
فبدلًا من أن يظل الطالب يبحث في الكتب عند كل حكم تجويدي، يصبح الحكم مرتبطًا في ذهنه بالنص الذي حفظه، ثم يطبقه مباشرة على القرآن.
وهذه الطريقة تكشف عن أهمية الجمع بين الحفظ والفهم والتطبيق، وهي من الأفكار التي تكررت في تجربة الشيخ التعليمية.
تونس.. اللحظة التي فتحت باب القراءات
كانت زيارة تونس من المحطات الفاصلة في رحلة الشيخ فوقي محمد جواده مع القرآن.
فخلال وجوده في تونس، دخل المسجد لصلاة الفجر، وسمع الإمام يقرأ القرآن بطريقة مختلفة عما اعتاد عليه في فلسطين، فلاحظ مثلًا القراءة بـ«مالك يوم الدين» بدلًا من الوجه الذي كان معتادًا عليه.
في البداية كان الأمر بالنسبة إليه مفاجئًا، لكنه لم يتسرع في الحكم على ما سمعه، بل انتظر حتى انتهت الصلاة، ثم سأل أحد المصلين عن القراءة التي سمعها.
ومن هنا بدأ يتعرف بصورة أوسع على علم القراءات، وعلى قراءة الإمام نافع بروايتي قالون وورش، وغيرهما من أوجه القراءة.
وكانت هذه اللحظة نقطة تحول جعلته يدرك أن ما اعتاده من رواية حفص عن عاصم ليس الصورة الوحيدة التي يعرف بها المسلمون قراءة القرآن، وأن دراسة القراءات تحتاج إلى علم وتلقي ومعرفة بأصولها.
من الإجازة إلى دراسة القراءات العشر
بعد ذلك بدأ الشيخ في البحث عن الشيوخ وقراءة عدد من الروايات، ثم واصل دراسة علم القراءات بصورة أكثر تخصصًا.
وحصل على سند متصل بعد رحلة من الدراسة والمراجعة، ثم انتقل إلى مراحل أوسع في القراءات، حتى التقى بالشيخ عبد الباسط هاشم رحمه الله، الذي كان له أثر كبير في مسيرته العلمية.
وكان الشيخ عبد الباسط هاشم يشترط على الطالب الاستعداد الجاد قبل البدء في القراءة، ومن ذلك حفظ قدر كبير من أبيات الشاطبية، وهو ما دفع الشيخ فوقي إلى بذل جهد كبير في حفظ المتن والاستعداد للقراءة.
ثم واصل معه دراسة القراءات السبع الصغرى، قبل أن يعود إلى تونس، حيث درس في مدرسة عمر بن الخطاب القرآنية، واطلع على طريقة تعليم تجمع القراء العشرة، من خلال الدراسة على عدد من المشايخ المتخصصين.
وفي عام 2017، أُجيز الشيخ بالسند المتصل في القراءات العشر الصغرى، ثم واصل رحلته العلمية حتى درس القراءات العشر الكبرى أيضًا.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
مدرسة عمر بن الخطاب وتجربة تعليم القراءات
من التجارب المهمة في مسيرة الشيخ تجربته في مدرسة عمر بن الخطاب القرآنية في تونس، حيث رأى نموذجًا متكاملًا في تعليم القراءات.
وأوضح خلال الحلقة أن المدرسة كانت تضم مشايخ متخصصين في القراءات، وكان الطالب يتلقى القراءات بطريقة منظمة تجمع بين الجمع والإفراد، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في رؤيته لطريقة التعليم.
وبعد عودته إلى غزة، حاول نقل هذه التجربة إلى طلابه من خلال إنشاء مدرسة تحمل الاسم نفسه، وبدأ في تعليم القراءات ونشر ثقافة الأسانيد والمتون في بيئته.
ولم يكن الهدف بالنسبة إليه مجرد تخريج طلاب يحملون أسماء الروايات، بل بناء طالب يفهم ما يقرأ ويعرف الأدلة والأصول ويستطيع تطبيق ما تعلمه على القرآن.
لماذا يرى الشيخ أن الإجازة ليست الهدف الأول؟
من أبرز القضايا التي ناقشها الشيخ فوقي محمد جواده قضية الإجازة القرآنية والسند.
فقد انتقد فكرة الحصول على الإجازة خلال يوم أو أسبوع أو مدة قصيرة دون التأكد من مستوى الطالب وإتقانه، مؤكدًا أن الإجازة مسؤولية وأمانة وليست مجرد شهادة أو وسيلة للتفاخر.
وأشار إلى أن الطريق إلى العلم يحتاج إلى وقت وجهد وصحبة للشيخ وممارسة وتدرج، وأن الحصول على الإجازة لا يعني أن الطالب أصبح عالمًا بكل ما يتعلق بالقرآن والقراءات.
ولهذا يمكن تلخيص رؤيته في قاعدة مهمة:
الإجازة ثمرة للعلم والإتقان، وليست بديلًا عنهما.
فالطالب يحتاج إلى معرفة القرآن، وضبط التلاوة، وفهم الأحكام، والتلقي عن أهل العلم، ثم تأتي الإجازة بوصفها توثيقًا لهذه الرحلة ومسؤولية جديدة على صاحبها.
هل علم القراءات صعب؟
يرى الشيخ أن علم القراءات ليس علمًا صعبًا بطبيعته، وأن الصعوبة قد تنشأ من طريقة تقديمه للطالب.
فإذا بدأ المعلم مع الطالب بكم هائل من المعلومات والمتون دون شرح أو تطبيق، فقد يشعر الطالب أن الطريق طويل ومعقد، وربما يترك العلم قبل أن يكتشف جماله.
أما إذا بدأ معه بالتدرج، وربط الحكم القرآني بالبيت من الشاطبية، ثم طبّق البيت مباشرة على آية من القرآن، فإن الطالب يبدأ في فهم العلاقة بين المتن والقراءة.
ومن هنا تبنى الشيخ طريقة تعليمية تقوم على الجمع أولًا ثم الإفراد في بعض مراحل التعليم، بحيث يرى الطالب مجموعة الأوجه في الموضع القرآني نفسه، ثم يستطيع بعد ذلك فهم قراءة كل قارئ أو راوٍ بصورة أوضح.
كما يعتمد على تقسيم المتن إلى أجزاء صغيرة، بحيث يحفظ الطالب بيتًا أو عدة أبيات مرتبطة بالحكم الذي يدرسه، بدلًا من مطالبته بحفظ المتن كاملًا قبل أن يرى ثمرة علمه.
الجمع بين الأصالة والمعاصرة في تعليم القراءات
يمكن اعتبار فكرة الجمع بين الأصالة والمعاصرة من أبرز ملامح المنهج الذي عرضه الشيخ في الحلقة.
فالأصالة عنده تعني المحافظة على التلقي، والمتون، والأسانيد، وضبط الروايات، وعدم التفريط في أصول علم القراءات.
أما المعاصرة فتظهر في طريقة عرض المعلومة وتقسيمها، وتحويل الدرس إلى خطوات صغيرة، وربط كل حكم بموضع قرآني واضح، وإشعار الطالب بأنه يتقدم ويحقق إنجازًا.
وأوضح أن هذه الطريقة ساعدت طلابًا من بلدان مختلفة على تعلم القراءات، حتى مع وجود تحديات تتعلق باللغة العربية أو ضيق الوقت.
كما ذكر نماذج لطلاب صغار تمكنوا من دراسة القراءات العشر الصغرى والكبرى وفق الطريقة التي يتبعها، وهو ما يراه دليلًا على أن المشكلة ليست دائمًا في صعوبة العلم، وإنما في طريقة تقديمه للمتعلم.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
العلوم المرتبطة بعلم القراءات
لا يرى الشيخ أن قارئ القرآن يمكنه أن يكتفي بعلم القراءات وحده، بل أشار إلى مجموعة من العلوم المرتبطة به، ومنها:
- علوم اللغة العربية.
- النحو والصرف والبلاغة.
- التفسير.
- العقيدة.
- علم الأسانيد.
- علم الفواصل وعد الآي.
- علم الوقف والابتداء.
- علوم تساعد على فهم معاني القرآن وتوجيه القراءات.
وتبرز أهمية هذه العلوم في أن القراءة ليست مجرد أداء صوتي، وإنما ترتبط بالمعنى والتفسير واللغة والسياق.
ولهذا شدد الشيخ على ضرورة أن يعرف الطالب ماذا يقرأ ولماذا يقرأ بهذه الصورة، لا أن يتحول إلى مجرد قارئ يكرر الألفاظ دون فهم أو تدبر.
أهمية الوقف والابتداء في القراءات
من العلوم التي ركز عليها الشيخ بصورة خاصة علم الوقف والابتداء.
فالخطأ في موضع الوقف قد يؤدي إلى تشويه المعنى، ولذلك لا يكفي أن يعرف الطالب أوجه القراءات المختلفة، بل يجب أن يعرف أين يقف وأين يبدأ، خصوصًا عند الجمع بين القراءات.
وأكد أن الجمع يحتاج إلى مراعاة تمام المعنى، وعدم تركيب الأوجه بصورة تؤدي إلى خلط القراءات أو الروايات، كما يحتاج إلى معرفة المواضع التي يصح فيها الوقف والابتداء.
من القراءة إلى التدبر والعمل
ربما تكون الرسالة الأهم في الحلقة أن القرآن ليس مشروع إجازة فقط.
فبعد الحفظ والتجويد والقراءات والأسانيد، يبقى الهدف الأكبر هو التدبر والعمل.
وقد شدد الشيخ على أن امتلاك السند لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتفاخر، وأن القارئ يحتاج إلى العلم والفهم والتدبر، وإلى معرفة العلوم التي تعينه على فهم كلام الله.
ومن هنا تصبح رحلة الطالب مع القرآن رحلة متكاملة: يبدأ بالحفظ، ثم الإتقان، ثم دراسة القراءات، ثم التلقي والإسناد، ثم الفهم والتدبر والعمل.
دروس مهمة من رحلة الشيخ فوقي محمد جواده
تحمل هذه الرحلة مجموعة من الرسائل المهمة لكل طالب قرآن، من أبرزها:
أولًا: العمر ليس عائقًا أمام طلب العلم.
فالإنسان يستطيع أن يبدأ طريقه مع القرآن مهما تأخر في العمر، ما دام يمتلك الرغبة والجدية والصبر.
ثانيًا: التأسيس أهم من الاستعجال.
تعلم التجويد والقراءة الصحيحة قبل التوسع في الحفظ والقراءات يساعد على بناء أساس متين.
ثالثًا: لا تتعجل الإجازة.
الإجازة مسؤولية وأمانة، وليست مجرد شهادة يحصل عليها الطالب بأسرع وقت.
رابعًا: لا تحكم على ما تجهله قبل أن تتعلمه.
كانت تجربة الشيخ في تونس مثالًا واضحًا على أهمية السؤال والتثبت عندما يسمع الطالب وجهًا من القراءات لم يعتده من قبل.
خامسًا: المعلم له دور تربوي.
فالشيخ لا ينقل المعلومة فقط، وإنما يحتاج إلى الصبر والرحمة والاهتمام بالطالب.
سادسًا: التعليم الناجح يجمع بين العلم والتحفيز.
عندما يشعر الطالب بالإنجاز والفهم، يصبح أكثر رغبة في مواصلة الطريق.
ســجــل معنا لحفظ القران الكريم عن بــعد
تـــواصــــــل مـــــعـــنــا
واتساب
الأسئلة الشائعة حول رحلة الشيخ فوقي محمد جواده والقراءات العشر
من هو الشيخ فوقي محمد جواده؟
هو شيخ وقارئ تحدث في بودكاست شفيع عن رحلته مع القرآن الكريم والقراءات العشر، وعن تجربته في التعلم والتدريس والإجازة، وانتقاله بين فلسطين ومصر وتونس.
هل بدأ الشيخ فوقي محمد جواده حفظ القرآن في سن مبكرة؟
لا، من أبرز ما يميز قصته أنه بدأ رحلته الفعلية مع تعلم القرآن في سن متقدمة، وهو ما يجعل تجربته مثالًا على إمكانية البدء في طلب العلم مهما كان العمر.
ما القراءات التي درسها الشيخ؟
تحدث الشيخ عن دراسته للقراءات العشر الصغرى والكبرى، وذكر مراحل دراسته لعدد من الروايات والقراءات مع مجموعة من الشيوخ.
ما رأي الشيخ في الإجازة القرآنية؟
يرى أن الإجازة شرف وأمانة ومسؤولية، وليست هدفًا منفصلًا عن العلم والإتقان، وينتقد الاستعجال في الحصول عليها دون دراسة وضبط كافيين.
كيف يمكن تبسيط تعلم القراءات؟
بحسب المنهج الذي عرضه الشيخ، يمكن تبسيط التعلم من خلال التدرج، وربط المتون بالآيات، وتقسيم المعلومات إلى وحدات صغيرة، وتطبيق الحكم مباشرة أثناء القراءة بدلًا من حفظ المتن كاملًا دون فهم.
ما أهم العلوم المرتبطة بعلم القراءات؟
من أبرزها التفسير، والعقيدة، وعلوم اللغة العربية، والأسانيد، والفواصل، والوقف والابتداء، إلى جانب إتقان القرآن نفسه.
خاتمة
تقدم رحلة الشيخ فوقي محمد جواده مع القرآن والقراءات العشر نموذجًا مختلفًا لطالب العلم؛ نموذجًا يثبت أن الطريق إلى كتاب الله لا يرتبط بعمر معين، ولا يخلو من المشقة، لكنه يصبح أكثر ثباتًا حين يجتمع فيه الإخلاص والصبر والتدرج وحسن التلقي.
ومن غزة إلى مصر وتونس، ثم إلى مراحل الإجازة والتعليم، تظهر في هذه الرحلة قيمة الشيوخ، وأهمية السند، وضرورة فهم القراءات، والأهم من ذلك أن يكون العلم وسيلة للتدبر والعمل، لا مجرد وسيلة للحصول على لقب أو إجازة.
كما تبرز تجربة الشيخ فكرة مهمة لكل معلم قرآن: قد يكون العلم عظيمًا، لكن طريقة تقديمه هي التي تجعل الطالب يحبه ويستمر فيه.
وإذا كنت ترغب في الاستماع إلى تفاصيل هذه الرحلة بصوت الشيخ فوقي محمد جواده، يمكنك مشاهدة الحلقة كاملة والاستفادة من تجربته في حفظ القرآن، ودراسة القراءات العشر، والإجازة والإسناد، ورؤيته في تطوير طرق تعليم هذا العلم الشريف.



